
لم يعد الحريقان المتتاليان اللذان طالا محطتي التحويل شرق وغرب نواكشوط، بجهد 33/15 كيلوفولت، مجرد حادثي تشغيل عابرين. فتزامنهما، واتساع المناطق التي حُرمت من الكهرباء، والطبيعة الاستراتيجية للمنشآت المتضررة، كلها عوامل تجعل منهما أزمة كبرى في شبكة التوزيع.
وقد تأثرت دار النعيم وتوجونين وجزء من عرفات وتفرغ زينه ولكصر والسبخة، فضلًا عن خطوط التغذية المتجهة إلى واد الناقة وإديني وأوليكات وأكنودرت ومطار أم التونسي الدولي وميناء تانيت. وهكذا وجدت أجزاء واسعة من العاصمة نفسها في الظلام، بما ترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية واجتماعية كبيرة، ومن الطبيعي أن يثير ذلك استياءً عميقًا لدى الرأي العام.
وأمام عطل بهذا الحجم، كان بإمكان الدولة اللجوء إلى مساعدة فنية أجنبية عاجلة، خصوصًا للاستعانة بخبراء متخصصين. غير أن الخيار المتبع حتى الآن تمثل في إدارة الأزمة بالموارد البشرية التابعة للشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك».
وفي هذا السياق، من الإنصاف الإشادة بالفنيين؛ فهم، شأنهم شأن جميع المواطنين، متضررون من الانقطاعات، وفي الوقت نفسه مطالبون بالعمل ليلًا ونهارًا لإعادة الشبكة إلى الخدمة، وتحمل الانتقادات والاتهامات، في حين أن تحديد المسؤوليات يتطلب أولًا خبرة فنية وتحقيقًا متخصصًا.
وتعكس استجابة الدولة حجم الأهمية التي أولتها للوضع. فقد قطع الوزير الأول عطلته في جونابه وعاد إلى الوزارة الأولى، فيما ألغى الوزير المكلف بالطاقة مهمة خارجية وتابع العمليات ميدانيًا. كما توجه رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني شخصيًا إلى المحطة الشرقية، حيث قُدمت له الشروح الفنية، خصوصًا من طرف المدير العام المساعد لـ«صوملك»، رمضان سيلا، المسؤول السابق عن البنى التحتية الإقليمية في منظمة استثمار نهر السنغال، وأحد المساهمين في تخطيط منشآت إنتاج ونقل الكهرباء التابعة للمنظمة.
وحدد رئيس الجمهورية ثلاثة متطلبات: إعادة التغذية بالكهرباء فورًا، وتحديد أسباب الحوادث بشفافية، وتسريع تحديث شبكة التوزيع. لكنه شدد بصورة خاصة على عنصر رابع وحاسم هو الصيانة الوقائية. وربما هنا تحديدًا يكمن جوهر النقاش اليوم.
فمحطة كهربائية من هذا النوع تحتاج إلى مراقبة أعمق بكثير من مجرد أعمال الصيانة الاعتيادية. إذ يتعين بصورة مستمرة اتباع إجراءات للتحقق من آليات قواطع التيار، وإجراء اختبارات الفتح والإغلاق، وفحص أوامر التحكم عن بُعد من مركز التحكم الوطني (CNC)، وقياس أزمنة التشغيل ومقاومة التلامس، ومراقبة غاز SF6، وفحص ملفات التوصيل والفصل، وقياس مقاومة العزل، فضلًا عن مراقبة قضبان التوزيع والتوصيلات والعوازل والتأريض وتنظيفها وإعادة إحكام ربطها.
وتشمل الصيانة كذلك الأنظمة المساعدة التي غالبًا ما تكون غير مرئية، لكنها أساسية لسلامة المحطة، ومنها خزانات التيار المستمر بجهد 110 فولت، وأجهزة الشحن والتقويم، والبطاريات، والمحولات المساعدة، ومرحلات الحماية.
ويتطلب ذلك فحص العزل والأسلاك وضبط أنظمة الحماية، ومحولات التيار والجهد (TC وTT)، واستقرار التغذية بالتيار المستمر، إضافة إلى إجراء اختبارات تفريغ البطاريات وسعتها ومدى استقلاليتها.
وسيكون من السابق لأوانه إرجاع الحريقين حصريًا إلى خلل في الصيانة قبل صدور نتائج التحقيق، إذ يمكن أن تكون للحوادث الكهربائية أسباب متعددة. غير أن تكرار الحوادث يجعل مراجعة سجلات الصيانة أمرًا لا غنى عنه.
ومن هنا، بات على المسؤولين عن إدارتي الصيانة والتوزيع في «صوملك» تقديم المعطيات الفنية، مدعومة بالوثائق والقياسات، بما يسمح بفهم ما حدث فعليًا. وليس الهدف تحديد مسؤول قبل انتهاء التحقيق، وإنما إعادة بناء تسلسل الوقائع: ما الذي كان ينبغي إخضاعه للصيانة؟ وما الذي تمت صيانته فعلًا؟ وما الأعطال التي كانت معروفة؟ وما الإجراءات التي أوصي بها؟ وأي منها تم تنفيذه؟
وفي وقت مبكر من صباح اليوم، أصدرت «صوملك» بيانًا أعلنت فيه بدء العودة التدريجية للكهرباء في نواكشوط. وقالت الشركة إن فرقها الفنية تمكنت من إعادة محطة شرق نواكشوط 33/15 كيلوفولت تدريجيًا إلى الخدمة، ما سمح بإعادة الكهرباء إلى عدد من أحياء نواكشوط الشمالية.
أما في المحطة الغربية، فتتواصل التدخلات، وتشمل تركيب خلية توزيع جديدة وقواطع كهربائية جديدة، بهدف إعادة التيار إلى غالبية المناطق المتضررة خلال الساعات المقبلة.
وبذلك يتجاوز الموقف الرئاسي مجرد التعامل الآني مع عطل كهربائي، ليطرح مسألة تتعلق بالحوكمة الفنية للمنظومة الكهربائية.
فالإصلاح يعيد الكهرباء إلى نواكشوط، والتحقيق يفسر أسباب الحريق، لكن الصيانة الوقائية الصارمة والموثقة والقابلة للتدقيق هي وحدها الكفيلة بمنع غرق العاصمة مجددًا في الظلام.



.jpeg)

.jpeg)