
من أخطر الأخطاء التي تقع فيها الحكومات الاعتقاد بأن الاتصال الرسمي هو مجرد ظهور أمام الكاميرا لعرض الإنجازات. والحق أن الاتصال الحكومي ليس نشاطًا إعلاميًا بالمعنى التقليدي، بل هو علم قائم على بناء الثقة، وإدارة الصورة الذهنية، وتوجيه الرأي العام وفق أسس مهنية دقيقة.
ولهذا يؤكد خبراء الاتصال الاستراتيجي على أن نجاح الدعاية الرسمية لا يُقاس بعدد المقاطع المصورة أو بطول الخطابات، وإنما بقدرتها على جعل المواطن يرى الإنجاز قبل أن يسمع عنه، ويثق به قبل أن يُطلب منه تصديقه.
ما تابعناه بمناسبة الذكرى السابعة لتولي فخامة رئيس الجمهورية مهامه كشف، في تقديري، عن خلل عميق في فهم فلسفة الاتصال الحكومي. فقد ظهر عدد من الوزراء في تسجيلات مطولة يتحدثون عن حصيلة قطاعاتهم كما لو كانوا مقدمي نشرات إخبارية، بينما يفترض بالوزير أن لايكون ناقلًا للخبر، بل هو رمز للمؤسسة، وحضوره الإعلامي ينبغي أن يعكس هيبة الدولة ويخضع لمنطق الاتصال المؤسسي لا لمنطق العمل الصحفي.
لقد اختزلت تلك المقاطع الاتصال الرسمي في خطاب مباشر يغلب عليه السرد والإنشاء، في حين أن الدعاية الحديثة تقوم على الصورة قبل الكلمة، وعلى الوقائع قبل التصريحات. فالوزير ليس مطالبًا بأن يشرح كل شيء، وإنما أن يقدم رسالة مختصرة تمنح المشاهد مفاتيح الفهم، بينما تتولى الصورة، والإنجاز الميداني، والأرقام الموثقة، إقناع الجمهور.
فالقاعدة الذهبية في الاتصال السياسي تقول: لا تجعل المسؤول يروي الإنجاز، بل اجعل الإنجاز يروي المسؤول.
هنا تتضاعف أهمية هذه القاعدة في بيئة إعلامية أصبحت شديدة التعقيد، حيث يتلقى المواطن الخطاب الرسمي وسط فضاء رقمي مزدحم بالمعلومات والروايات المضادة. وفي مثل هذا السياق، لا يكفي الحديث عن الإنجازات، بل يجب تقديمها في قالب بصري ومهني قادر على منافسة المحتوى الرقمي وإقناع المتلقي.
إن المشكلة لا تكمن في ظهور الوزراء، بل في الطريقة التي ظهروا بها. فالخلط بين الإعلام الحكومي والاتصال الحكومي أدى إلى إنتاج رسائل افتقدت إلى الاحتراف، وأضعفت الأثر الذي كان يُراد تحقيقه. فالصحفي دوره هو نقل الوقائع، أما الوزير فمهته تجسيد السياسة العامة للدولة وشرحها ضمن رؤية مؤسسية، لا أن يتحول في لحظة حماس إلى مذيع يعدد المنجزات.
بيد أن المسؤولية - في نظر- لا تقع على الوزراء وحدهم، بل تمتد إلى من صاغ هذه المقاربة الاتصالية وأدارها. فالتأثير الإعلامي لا يبدأ عند تشغيل الكاميرا، وإنما يبدأ منذ لحظة تصميم الرسالة، واختيار زاوية المعالجة، وفهم نفسية الجمهور، وبناء الصورة التي تمنح الخطاب الرسمي مصداقيته.
في عصر الرقمنة، أصبحت الصورة أقوى من البيان، والمشهد أبلغ من الخطبة، وجودة الحضور أهم من كثرة الظهور. ومن ثم، فإن تحويل الوزراء إلى متحدثين أمام العدسات لم يكن مجرد خطأ في الإخراج، بل كشف عن أزمة في فهم الاتصال الحكومي. وهي أزمة تستحق المراجعة، لأن هيبة الدولة تُبنى باحتراف الاتصال، لا باستنساخ أساليب العمل الصحفي الذي يشتغل بطبعه ضمن مقاربات الانتقام بالطرق الناعمة.
د.أمم ولد عبد الله



.jpeg)

.jpeg)