موريتانيا تدفع 14  مليار أوقية لـMCM… لتسوية نزاع لم تكشف تفاصيله؟

بين عشرات الصفحات التي يتضمنها مشروع قانون المالية المعدل لسنة 2026، يبرز بند واحد قد يثير أكثر من سؤال.  فقد خصصت الحكومة 1.46 مليار أوقية جديدة لتنفيذ ما وصفته بـ”بروتوكول التسوية المبرم بين الدولة وشركة  MCM التي تستغل منجم النحاس في اكجوجت ، دون أن تقدم أي توضيحات بشأن طبيعة هذه التسوية أو أسبابها أو الالتزامات التي ترتبت عليها. 

 

ورغم ضخامة المبلغ، لم يتضمن المشروع أي شرح لخلفية الملف، كما لم يصدر بيان رسمي يوضح للرأي العام مضمون البروتوكول أو الأساس القانوني الذي استوجب إدراج هذا الاعتماد في الميزانية.

 

 

بند مالي بلا تفسير

 

جاء مبلغ التسوية ضمن الزيادة الكبيرة في التحويلات الجارية، التي ارتفعت من 14 مليار أوقية جديدة إلى 23.8 مليار أوقية جديدة، إلى جانب دعم المحروقات، وزيادة التحويلات الموجهة للشركة الموريتانية للكهرباء (صوملك). إلا أن المشروع اكتفى بذكر عبارة مقتضبة تشير إلى “بروتوكول التسوية المبرم بين الدولة وشركة MCM، دون أي تفاصيل إضافية. 

 

ويثير هذا الغياب للمعلومات تساؤلات حول طبيعة الالتزامات المالية التي تتحملها الدولة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمبلغ يقارب 36.5 مليون دولار أمريكي وفق أسعار الصرف الحالية.

 

 

العودة إلى أصل القضية

 

يكشف تتبع الوثائق الدولية أن شركة (MCM)، التابعة لمجموعة First Quantum Minerals، رفعت في مارس 2021 دعوى تحكيم ضد الدولة الموريتانية أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID) التابع للبنك الدولي، وسجلت القضية تحت الرقم ARB/21/9.

 

وتوضح قاعدة بيانات المركز أن النزاع استند إلى الاتفاقية المنجمية الموقعة بين الطرفين، دون نشر تفاصيل الادعاءات أو المطالب المالية.

 

الخلاف كان مرتبطًا بتطبيق بعض الضرائب والأتاوات وتفسير بنود الاستقرار الضريبي الواردة في الاتفاقية المنجمية، وهو ما دفع الشركة إلى اللجوء للتحكيم الدولي بعد فشل تسوية النزاع محليًا.

 

 

حكم صدر… لكن مضمونه بقي سريًا

 

استمرت إجراءات التحكيم أكثر من عامين، قبل أن تصدر هيئة التحكيم حكمها النهائي في 2 أكتوبر 2023.

 

غير أن المركز الدولي لا ينشر مضمون الأحكام إلا بموافقة الأطراف، وهو ما لم يحدث في هذه القضية، لذلك بقي الحكم غير متاح للرأي العام، كما لم تعلن الحكومة أو الشركة تفاصيله أو نتيجته المالية.

 

وتؤكد تقارير مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (EITI) وجود هذا النزاع وانتهائه بحكم تحكيمي، لكنها لا تكشف هي الأخرى عن قيمة المبالغ أو منطوق القرار.

 

 

هل تمثل الميزانية تنفيذًا للحكم؟

 

وجود بند مالي بقيمة 1.46 مليار أوقية جديدة بعد أقل من ثلاث سنوات من صدور الحكم يفتح الباب أمام فرضية قوية، وهي أن بروتوكول التسوية المشار إليه في مشروع قانون المالية المعدل 2026 قد يكون الإطار الذي تم الاتفاق من خلاله على تنفيذ الحكم التحكيمي أو تسوية آثاره المالية.

 

غير أن هذه الفرضية، رغم اتساقها مع التسلسل الزمني للوقائع، لا يمكن الجزم بها في غياب نشر البروتوكول أو الحكم نفسه.

 

فالمبلغ المدرج في الميزانية قد يمثل:

 

-تنفيذًا كاملًا للحكم؛

-أو جزءًا من مبلغ أكبر؛

-أو تسوية تفاوضية لاحقة بين الدولة والشركة؛

-أو يشمل أصل المبالغ والفوائد والمصاريف القانونية.

 

 

لماذا تكتسب القضية أهمية؟

 

لا يتعلق الأمر فقط بمبلغ كبير تتحمله الخزينة العامة، بل أيضًا بطريقة إدارة النزاعات الاستثمارية في قطاع التعدين.

 

فموريتانيا تعمل منذ سنوات على تحسين جاذبية الاستثمار المنجمي، وفي الوقت نفسه تسعى إلى تعزيز مواردها الضريبية من الشركات العاملة في القطاع. وعندما ينتهي خلاف من هذا النوع بتسوية مالية تتحملها الميزانية العامة، فإن معرفة أسبابه ونتائجه تصبح جزءًا من متطلبات الشفافية المالية.

 

كما أن اطلاع الرأي العام على طبيعة النزاع يساعد على تقييم مدى سلامة الاتفاقيات المنجمية، وقدرة الإدارة على تجنب نزاعات مشابهة مستقبلًا.

 

 

بين السرية والشفافية

 

لا يعني وجود تسوية مالية بالضرورة أن الدولة خسرت القضية بالكامل، كما لا يعني أن الشركة حصلت على جميع مطالبها. فالتحكيم الدولي ينتهي أحيانًا بأحكام جزئية أو بتسويات تفاوضية تقلص الالتزامات المالية للطرفين.

 

غير أن غياب المعلومات الرسمية يجعل من الصعب تقييم ما إذا كانت هذه التسوية تمثل نجاحًا في إدارة النزاع أم تكلفة كان بالإمكان تجنبها.

 

وفي ظل إدراج مبلغ بهذا الحجم في الميزانية العامة، يبقى نشر بروتوكول التسوية أو توضيح مضمونه خطوة من شأنها تعزيز الشفافية، وتمكين الرأي العام من فهم خلفيات أحد أكبر البنود المستحدثة في مشروع قانون المالية المعدل لسنة 2026.

 

مولاي ولد سيد احمد

جمعة, 24/07/2026 - 13:13