
لأول مرة منذ الاستقلال، شرعت موريتانيا في تنفيذ مشروع بنية تحتية نفطية لا يقتصر هدفه على تلبية احتياجات السوق المحلية من المحروقات، بل يهدف أيضًا إلى إنشاء احتياطي استراتيجي يعزز أمنها الطاقوي ويحد من آثار اضطرابات الإمدادات في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية، وتعطل سلاسل النقل البحري، والتقلبات المتزايدة في أسواق الطاقة.
ويبين محضر اجتماع اللجنة الوطنية للمحروقات بتاريخ 12 أكتوبر 2023 أن الصفقة التي رست على الشركة السويسرية Addax Energy لا تقتصر على توريد المحروقات لمدة عامين، بل تقوم على نموذج تعاقدي متكامل يجمع بين التموين، والتمويل، والتصميم، والإنجاز، من خلال بناء مجمع تخزين يضم سبعة خزانات بسعة إجمالية تبلغ 100 ألف متر مكعب. ويعد هذا النموذج من المشاريع النادرة في المنطقة، إذ يربط تمويل البنية التحتية بمنظومة الإمداد، ويجعل مسؤولية تنفيذ المشروع لدى متعاقد واحد.
لكن ماذا عن الجانب الفني؟
تكشف وثائق تقييم العروض أن قرار اللجنة استند بصورة رئيسية إلى الاعتبارات الاقتصادية. فقد قدمت Addax Energy تكلفة إنشاء قدرت بحوالي 36 مليون دولار، مقابل ما يقارب 49 مليون دولار لمنافستها Sahara Energy، كما عرضت تكلفة أقل بنحو عشرين دولارًا للطن الواحد من المنتجات النفطية.
ومن الناحية المالية، يبدو القرار مبررًا، غير أن المشاريع الصناعية الكبرى لا تحسم على أساس السعر وحده، إذ يبقى ضمان الكفاءة الفنية وإدارة المخاطر العامل الأكثر أهمية في مثل هذه المنشآت.
وفي هذا الجانب، يلاحظ أن محضر اللجنة ركز بالتفصيل على المقارنة المالية، بينما جاء عرض الجوانب الفنية أكثر إيجازًا، دون الخوض بصورة معمقة في الخبرات السابقة للشركات، أو المشاريع المماثلة التي أنجزتها، أو منهجية التنفيذ، أو إجراءات مراقبة الجودة، أو وسائل السلامة المؤقتة أثناء مراحل التركيب، أو الحسابات الهندسية الخاصة بالمشروع.
ولا يعني ذلك وجود خلل في إجراءات الإسناد، لكنه يبرز أن مشروعًا بهذه الأهمية كان يستحق تبريرًا فنيًا أكثر تفصيلاً وشفافية.
تجربة الشركة المنفذة
وتؤكد المعلومات المنشورة من قبل شركة EPCM Holdings الجنوب إفريقية، التي أوكلت إليها Addax Energy عقد التصميم والتوريد والإنشاء (EPC)، أن المشروع الموريتاني يمثل أكبر مشاريعها وأكثرها رمزية.
وتتمتع الشركة بخبرة في تشييد خزانات وفق معيار API 650، وخطوط الأنابيب، ومنشآت التخزين في إفريقيا الجنوبية، إلا أن المصادر المتاحة لا تثبت أنها أنجزت قبل ذلك مشروعًا جديدًا يضم سبعة خزانات بسعة إجمالية تبلغ 100 ألف متر مكعب، وهو عنصر كان يفترض أن يحظى بتقييم دقيق خلال مرحلة التأهيل الفني.
مقارنة بمشروع مرجعي
وتبرز المقارنة مع محطة تخزين Oryx Energies في لاس بالماس، التي تبلغ سعتها 220 ألف متر مكعب، أهمية وجود رقابة هندسية مستقلة. فقد استعانت الشركة المالكة هناك بمكتب الهندسة الإسباني IDOM بصفة Owner’s Engineer، لتولي مراجعة الدراسات، وتحليل المخاطر، ومراقبة الجودة، والإشراف على التنفيذ.
وفي هذا السياق، سيكون من المفيد أن تكشف الشركة الموريتانية للمحروقات (SMH) للرأي العام عن هوية مكتب المراقبة المكلف بالإشراف على مشروع نواكشوط، وحدود صلاحياته، بما يعزز الشفافية والثقة في إدارة المشروع.
حادثة الرياح… ماذا تقول المعايير الفنية؟
أعاد الضرر الذي أصاب خزانين لا يزالان قيد الإنشاء فتح النقاش حول المشروع، حيث اعتبر بعض المراقبين أن رياحًا بسرعة تقارب 80 كيلومترًا في الساعة لا يفترض أن تؤدي إلى مثل هذه الأضرار إذا كانت المنشآت مطابقة للمعايير.
غير أن القراءة الفنية تستوجب قدراً من التحفظ، إذ إن معيار API 650 يميز بوضوح بين الخزان المكتمل والخزان الذي لا يزال في مرحلة التجميع.
فطالما لم يتم تركيب السقف، وأحزمة التقوية النهائية، وعناصر التدعيم المحيطية، تبقى الصفائح المعدنية أكثر عرضة للتشوه بفعل الأحمال الهوائية، وهو ما يفرض، خلال هذه المرحلة، استخدام دعامات مؤقتة وكابلات تثبيت لضمان الاستقرار.
وتظهر الصور المتداولة أن الخزانات المتضررة كانت لا تزال من دون أسقف، كما لا تبدو عليها، للوهلة الأولى، وسائل التدعيم الخارجية المؤقتة، وهو ما يطرح سؤالاً فنياً لا يمكن حسمه إلا بنتائج التحقيق الجاري: هل كان ذلك جزءًا من منهجية التركيب المعتمدة؟ أم إغفالاً مؤقتًا؟ أم قصورًا في إجراءات التثبيت؟
محمد ولد الشريف



.jpeg)

.jpeg)