ولد أحمد لولي... الرئيس الذي آثر آخرته على دنياه

يولد البشر بأحلامٍ كبيرة تصارع الزمن لتحقيق الذات. وقد تنعدم الوسائل أحيانًا لبلوغها، فيما يبقى بعضها الآخر مؤجلًا إلى أجل غير معلوم. وبين النجاح والإخفاق، وبين العمل الجاد وطرق أخرى، تتعدد الوسائل التي يتخذها الإنسان لبلوغ غاياته، فتتراوح بين استخدام القوة، أو النفوذ، أو رأس المال الرمزي والمادي... غير أن الغاية تظل واحدة: تحقيق أهدافٍ مشتركة يحركها شعور إنساني عميق بالسعي إلى الحظوة والمكانة، وهي الرغبة التي تتجسد في ثلاثية طالما استقرت في أذهان البشر: السلطة، والجاه، والمال. وباسم هذا الثالوث تُقام الحروب بين الدول، وتندلع الخصومات، بل وقد يدخل الإخوة في قطيعةٍ طويلة.

وفي المخيال الجمعي، يُنظر إلى الرؤساء عادةً على أنهم أشخاص أشداء، غلاظ الطباع، لا يشغلهم سوى الحفاظ على مواقعهم مهما كانت الكلفة.

تبدو هذه الصورة أقرب إلى الواقع الموريتاني في علاقته بالسلطة، التي وصفها الرئيس الراحل المختار ولد داداه بعبارته الشهيرة: "الرئاسة بطعيمتها". فذلك "الطعم الخاص"، مقرونًا بالخوف من المجهول، ومن الشماتة، وفقدان المكانة، هو ما يجعل كثيرًا من الرؤساء يتمسكون بكراسيهم مهما كلفهم الثمن، لا حبًا في المنصب بقدر ما هو خوف مما بعده.

ولعل هذا هو الانطباع السائد في كثير من المجتمعات العربية، التي تعاني من هاجس الثأر والخوف من فقدان المكانة، وهو هاجس أثبت التاريخ أنه أحد أبرز العوامل التي أسهمت في ترسيخ الاستبداد ومأسسة الديكتاتورية.

صحيح أن الإنسان بطبعه يسعى إلى مكانة لا تتحقق -في الغالب- إلا بالسلطة والمال، غير أن كثيرًا من الدول الغربية نجحت في تحويل الرئاسة إلى وظيفة سياسية، بينما بقي النفوذ الحقيقي في يد أصحاب رؤوس الأموال ومراكز التأثير. وقد مرت هذه التجربة بمراحل معقدة، استطاعت خلالها النخب الاقتصادية النافذة ربط مصالح الدولة بمصالحها تحت عناوين الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي شعارات يرى بعض الباحثين أنها كثيرًا ما تُستخدم أيضًا لخدمة استراتيجيات أصحاب النفوذ الحقيقي، الذين نجحوا في إقناع المواطن بأن صندوق الاقتراع وحده هو الذي يصنع السلطة.

أمافي موريتانيا، فيُنظر إلى الرؤساء -غالبًا- على أنهم يسعون، في المقام الأول، إلى تمكين دوائرهم القريبة ومنحها الامتيازات. وقد يكون جانب من ذلك انعكاسًا للخوف الدائم من المستقبل الذي يلازم السلطة في كثير من دولنا.

ومع ذلك، فإن داخل كل رئيس ضميرًا إنسانيًا تتنازعه الأطماع، والخوف من فقدان المكانة، وسلطة الضمير الأخلاقي. وقد ينتصر أحد هذه الدوافع في لحظة فاصلة. وربما بكى بعض الرؤساء طويلًا على قرارات اكتشفوا لاحقًا أنها كانت جائرة في حق مواطنيهم، كما قد يدفعهم دافع الانتقام، في أحيان أخرى، إلى الإصرار على تصفية خصومهم.

إن حملات التلميع المبالغ فيها للرؤساء في موريتانيا ليست، في جانب منها، سوى مسكناتٍ تحرص الحاشية على تقديمها حتى لا يستيقظ الضمير الأخلاقي، لأن يقظته قد تقلب موازين العلاقة مع أقرب المقربين.

ضمن نزعة الانتقام وسلطة الضمير الأخلاقي، تتجلى تجربة الرئيس السابق محمد محمود ولد أحمد  لولي بوصفها حالة نادرة في التاريخ السياسي الموريتاني. فالرجل الذي استوقفته متسولة في طريقه إلى القصر الرئاسي، قرب العيادة المجمعة، وأخبرته أنها لم تجد ما تطعم به أبناءها منذ أيام، قيل إن تلك الحادثة هزته من الداخل، ودفعته إلى اتخاذ قرار الاستقالة.

قد تكون مثل هذه المواقف مرت على رؤساء آخرين، لكن ولد  لولي ظل، إلى اليوم، الرئيس الموريتاني الوحيد الذي بدا وكأنه آثر آخرته على دنياه. صحيح أن بعض الرؤساء قد يلجؤون إلى تشديد الرقابة، أو السعي إلى تحقيق قدر أكبر من العدالة، لكن أن تتغلب الرحمة والشفقة بهذه السرعة على رجلٍ جاء من المؤسسة العسكرية، فذلك أمر يستحق التأمل طويلًا، خصوصًا في بلدٍ كثيرًا ما تُنتج فيه السلطة سلوكًا يقوم على إقصاء الخصوم، رغم أن التجارب أثبتت أن الخلل كثيرًا ما يأتي من أقرب دوائر الثقة.

اللافت أن الدرس الأخلاقي الذي قدمه ولد أحمد لولي لم يحظ بالاهتمام الذي يستحقه لدى من جاءوا بعده. فقد كان الرئيس الوحيد الذي غادر السلطة في القرن الماضي دون أن يعرف السجن، وظل محتفظًا بهيبته وأناقته. وما زلت أذكر أنني، وأنا تلميذ في المرحلة الإعدادية خلال تسعينيات القرن الماضي، كنت أراه في جامع الملك فيصل، فأقف متأملًا تلك الهيبة التي تكسو ملامحه، متسائلًا عن سرها. وبعد أكثر من عشرين عامًا، أدركت أن مصدر تلك الهيبة لم يكن المنصب، وإنما ذلك القرار النادر الذي اختار فيه ضميره على امتيازات السلطة، وآثر آخرته على دنياه.

د. أمم ولد عبد الله

جمعة, 17/07/2026 - 20:34