بين الخوف والرهان الصعب

هناك قرارات يكون وقعها أثقل من غيرها على قلب الأمة. وهذا القرار، في شهر يونيو، من ذلك النوع الذي يعقد المعدة ويدفع المرء إلى رفع بصره نحو السماء متنهدا، مثقلا بأسئلة لا جواب لها. تُعاد الحرية إلى رجال حملوا راية داعش السوداء، في الوقت نفسه الذي يبدو فيه النقاش الوطني الكبير، ذلك “المسار الديمقراطي” المنتظر، وكأنه يراوح مكانه مثل عربة عالقة في وحل اللامبالاة. عندها يتساءل المواطن، ويصرّ على أسنانه، ويتساءل إن كانت مصلحة الدولة العليا قد أخلت مكانها لوهم خطير.

 

 

البلسم والسيف

 

يقال لنا همسا إن الأمر يتعلق باستراتيجية بعيدة المدى. وإن السيف، مهما قطع الجسد، لا يقطع الفكرة أبدا. وفي أعماقنا، بدافع إنساني خالص، نود أن نصدق ذلك. نعرف أن الحريق لا يُطفأ بالقذائف وحدها، وأنه لا بد أحيانا من مخاطبة النار لتهدأ. لقد أدت لجنة من العلماء دور صناع السلام في ظلال الزنازين، مستخدمة الكلمة كالبلسم، ويقال إن تسعا من هذه الأرواح الضالة قد عادت إلى طريق العقل.

لكن النفس البشرية متاهة من المرايا، والتوبة زهرة هشة إلى درجة أن نفخة بسيطة من الشك قد تذبلها. كيف لا نرتجف؟ وكيف لا ندع الخوف يتسلل إلينا حين تستيقظ الذاكرة؟ فالماضي لا يزال ينزف. أليس هؤلاء الرجال، أو رفاقهم في السلاح، هم من لطخوا طرقاتنا بالدماء في ما مضى؟ قد تضطرب ذاكرتي تحت ثقل الرعب، لكنني أتذكر الهجوم الوحشي على موكب أموال الميناء، ذلك السطو الجريء الذي لم تكن فيه حياة الإنسان تساوي شيئا أمام عقيدتهم. بالنسبة إليهم، كل ما يضعف الدولة — الفوضى، السرقة، الدم — يصبح، على نحو غريب، مشروعا، إن لم نقل “حلالا”. لقد حصدوا جنودنا وأبناءنا، واغتالوا هؤلاء الضيوف الأوروبيين والأمريكيين الذين وطئت أقدامهم أرضنا وهم مطمئنون. وأمام وحوش من هذا النوع، يلبسون ثوب اليقين، تبدو الرحمة أحيانا دوارا انتحاريا.

هنا يصبح التناقض قاسيا، بل يكاد لا يُحتمل. فمن جهة، في الممرات الهادئة للسجون، يؤتي حوار الظل ثماره. ومن جهة أخرى، في الساحة العامة، تغرق مشاورتنا الوطنية الكبرى، مثقلة بالأنا وبالارتياب الحزبي. إنه مشهد صادم لسلطة تنجح في إقناع الذئب بأن يضع أنيابه جانبا، بينما عند باب الحظيرة تتقاتل كلاب الحراسة فيما بينها. أليس في ذلك صفعة ساخرة لديمقراطيتنا المتعثرة؟

في الشوارع، وداخل الأسر، يستقر الخوف، صامتا وعنيدا. إنه الخوف من الإفلات من العقاب، ومن عدالة بسرعتين يحصل فيها الشيطان على النصيب الأكبر من الكعكة. لكن هناك قلقا أعمق وأكثر خفوتا. فهؤلاء السلفيون، في جنونهم الدموي، كانوا يزعمون أنهم يحاربون الظلم والفساد والانحطاط الأخلاقي. غير أننا، إذا رفعنا ستار المظاهر الخادعة، سنجد أن هذه الآفات هي يومياتنا. تظهر في طوابير الانتظار، وفي بطالة شبابنا العاطل، وفي النظرات المنهكة لآباء الأسر. كان علاجهم سما قاتلا، لكن تشخيصهم يرن بألم في واقعنا. فهل نخاطر، بإطلاق سراح هؤلاء الرجال دون معالجة أمراض مجتمعنا، بأن نمنح غضبهم القديم مكبر صوت من ذهب؟

 

 

الريح والجمر

 

عندها يتردد المثل القديم كأنه إنذار سماوي: “القش والنار لا يجتمعان.” فحين نطلق هذه الجمرات التي لا تزال ساخنة في جسد اجتماعي يختنق تحت وطأة القلق الاقتصادي، هل انتبهنا حقا إلى اتجاه الريح؟ ربما نعم. ربما تكون هذه اليد الممدودة ضربة معلم لدبلوماسي بارع، لاعب شطرنج بعيد النظر أمام جمهور لا يلعب إلا الداما. وربما ينبغي أن نرى في هؤلاء الرجال دليلا حيا على أن الكلمة ستبقى دائما أقوى من الكراهية.

لكن، في انتظار حكم التاريخ، يحبس المواطن البسيط أنفاسه، وقلبه يتأرجح بين الأمل والفزع. نصلي لكي يكون هذا الرهان رابحا، ولكي يكون حكامنا قد أحسنوا التقدير، ولكي يصبح هؤلاء التائبون حصون الغد. غير أن الشك يظل غريزيا، مغروسا في لحم صدماتنا الماضية. فإذا انقلب أحدهم غدا، وإذا بكت أسرة واحدة فقط بسبب هذه الرحمة، فلن يكون ذلك مجرد خطأ سياسي بسيط، بل جرحا غائرا في خاصرة الوطن.

وحده الزمن، ذلك الحكيم الصامت الكبير، سيقول لنا هل شهدنا للتو تحفة من الحكمة، أم وهما مأساويا ومميتا. وفي الانتظار، نظل يقظين، آملين أن تكون هذه المعادلة من الدرجة الأولى.

 

 

اعليّـه محمد

Le Calame

أربعاء, 08/07/2026 - 15:10