
من واجب كل مواطن أن يكسر جدار الصمت، وأن يسعى إلى تسليط الضوء على الممارسات الخفية التي تُضعف أسس دولتنا. ولكي ينتهي الشعور بالإفلات من العقاب، من الضروري أن يكون الجميع على اطلاع كامل بآليات تسيير الشأن العام. وعلينا أن نتساءل باستمرار عن كيفية استخدام مواردنا، وأن نندد، بمسؤولية، بكل شكل من أشكال التأثير غير المشروع الذي قد يحرف السلطة عن غايتها الأساسية: خدمة المصلحة العامة.
إن الوضع مقلق. فنحن نلاحظ، وغالبًا في حالة من العجز، تسييرًا مثيرًا للجدل لفضاءاتنا العمومية ومواردنا، فضلًا عن علاقات مع بعض الشركات الأجنبية تثير تساؤلات مشروعة بشأن صون سيادتنا الوطنية.
ومن جهة أخرى، قد يضعف جهاز الدولة بفعل تعيينات تثير الجدل، حين لا تبدو الكفاءة والاستحقاق دائمًا المعيارين الحاسمين. وعندما يبدو أن المصلحة الخاصة تتقدم على المصلحة العامة، فإن مستقبل البلاد يكون على المحك. وفي مثل هذا السياق، قد تعطي بعض أساليب الحكم انطباعًا بأن النفاق والتملق يطغيان على الشفافية والاستقامة.
وللأسف، تأتي المعطيات التي نشرتها المفتشية العامة للدولة لتؤكد هذه المخاوف. فبحسب هذا التقرير، تكشف كل مهمة رقابية مكتملة، في المتوسط، عن اختلاس يناهز 900 مليون أوقية في كل قطاع خضع للتفتيش خلال السنة الجارية. وبالمجمل، يُقال إن نحو 23 مليار أوقية كانت محل هذه التجاوزات في 28 مهمة مكتملة، من أصل 39 مهمة، بقيت 7 منها غير مكتملة، فيما أُوقفت 4 مهام. ويجسد مثال مشروع الطريق، الذي يُقال إن 600 مليون أوقية صُرفت فيه من دون إنجاز أي عمل، بصورة صارخة هذا الهدر للمال العام. وإذا كانت هذه الأرقام دقيقة، فإنها ترسم واقعًا بالغ الخطورة: فسادًا واسع النطاق يحرم السكان من خدمات أساسية.
وفي موريتانيا، تتخذ هذه المآسي وجهًا ملموسًا. فعائدات الصيد والمعادن والموارد الطبيعية تثير الكثير من النقاش، في حين لا تزال أسر بأكملها تعاني من صعوبة الوصول إلى مياه الشرب والكهرباء والرعاية الصحية اللائقة والتعليم الجيد.
وخلف هذه الصعوبات وجوه وأسر وشباب خريجون بلا آفاق. فالبطالة تضرب الشباب على نطاق واسع، والهجرة تتسارع، والخدمات العمومية تتدهور. وهذه الاختلالات ليست قدرًا محتومًا؛ بل هي نتيجة خيارات وتواطؤات وتراجعات. وتسميتها بأسمائها هي أول خطوة لرفض تحولها إلى أمر عادي.
غير أن هناك آفة أكثر خفاءً، تزيد الوضع سوءًا يومًا بعد يوم، وهي إعادة تدوير الأشخاص المتورطين في قضايا فساد، وتعيينهم في مناصب استراتيجية، وترقية بعض المتهمين باختلاس الأموال العمومية، وهو ما أصبح كارثة وطنية حقيقية.
فهذه الظاهرة، التي تتمثل في الإبقاء على أشخاص مثار جدل أو إعادتهم إلى مواقع حساسة، تقوض ثقة المواطنين في مؤسساتهم، وتبعث برسالة بالغة السوء مفادها أن الإفلات من العقاب يُكافأ. وبالتوازي مع ذلك، فإن الإصرار على الإبقاء على حكومة ووزراء أصبح عدم جدواهم معروفًا لدى الجميع يضع البلاد في مأزق، لأنه يعني رفض الاستماع إلى النصائح والتحذيرات المتكررة.
وأمام هذه الوضعية، يظل إيقاظ الوعي، والمطالبة بالشفافية الكاملة، ومساءلة من يتولون المسؤوليات العامة، أفضل الوسائل لاستعادة العدالة وإعادة ما تستحقه موريتانيا من كرامة وازدهار. وقد حان الوقت لتطبيق القانون بصرامة، وأن تكشف العدالة كامل الحقيقة بشأن هذه الاتهامات، وأن يُحاسب المسؤولون، أيًا كانوا، على أفعالهم. ومن خلال الاحترام الصارم للإجراءات القانونية، وترك المؤسسات تقوم بعملها، يمكننا معًا الخروج من هذه الحلقة المدمرة وبناء مستقبل أكثر عدلًا للجميع.
اعليه محمد



.jpeg)

.jpeg)