الساحل بعد موجة الهجمات المتزامنة: من حرب المواقع إلى حرب إنهاك الدول

لم تعد الهجمات التي شهدتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بين نهاية يونيو وبداية يوليو 2026، مجرد وقائع أمنية متفرقة يمكن قراءتها ضمن سجل العنف المعتاد في منطقة الساحل. فالتزامن، واتساع الجغرافيا، وطبيعة الأهداف، كلها مؤشرات على أن الجماعات المسلحة انتقلت إلى مستوى جديد من إدارة الصراع: لم تعد تبحث فقط عن السيطرة على قرية أو ضرب ثكنة معزولة، بل تسعى إلى إنهاك الدول الثلاث دفعة واحدة.

ما جرى في بوركينا فاسو ومالي والنيجر يكشف أن هذه الجماعات باتت تفكر إقليميا، وتتحرك بمنطق الشبكات، وتستغل هشاشة الحدود واتساع المساحات وضعف البنية الإدارية في المناطق الطرفية. فالهجوم على عدة نقاط في توقيت متقارب ليس عملا عشوائيا، بل رسالة عسكرية وسياسية في آن واحد: مفادها أن الضغط لم يعد محليا، وأن الحرب لم تعد محصورة في جبهة واحدة.

بهذا المعنى، تدخل منطقة الساحل مرحلة تختلف عن السنوات السابقة. ففي السابق، كانت الجماعات المسلحة تراهن على التمدد البطيء داخل الفراغات الأمنية، وعلى استنزاف المواقع المعزولة، وعلى بناء نفوذ اجتماعي واقتصادي في الهوامش. أما اليوم، فهي تحاول فرض معادلة أكثر تعقيدا: فتح جبهات متعددة، تشتيت القوات، اختبار سرعة الرد، وإظهار أن دول تحالف الساحل، رغم خطابها السيادي وتنسيقها العسكري، لا تزال عرضة لاختراقات مؤلمة.

لكن القراءة لا تكتمل عند هذا الحد. فهذه الهجمات، رغم خطورتها، لا تعني بالضرورة تفوقا استراتيجيا للجماعات المسلحة. لقد تغيرت أيضا طبيعة الجيوش التي تواجهها. جيوش مالي وبوركينا فاسو والنيجر لم تعد تعمل بالمنطق نفسه الذي طبع سنوات 2021 و2022. هناك استثمار أكبر في التجنيد، وفي الطائرات المسيّرة، وفي الاستخبارات، وفي التنسيق العملياتي، وفي خطاب سياسي يربط الأمن بالسيادة الوطنية.

لذلك، تبدو المواجهة اليوم أكثر توازنا وتعقيدا. الجماعات المسلحة قادرة على المبادرة والضرب والمناورة، لكنها لم تعد تتحرك في فراغ كامل. فهي تصطدم بجيوش أكثر استعدادا للهجوم المضاد، وأكثر قدرة على تعبئة الموارد، وأكثر جرأة في ملاحقة الأرتال المسلحة. وهذا ما يفسر أن العمليات الأخيرة تحولت، في أكثر من موقع، إلى مواجهات مباشرة كبدت المهاجمين خسائر معتبرة.

غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في عدد الهجمات أو حجم الخسائر. الخطر الأعمق هو أن تتحول هذه الحرب إلى حالة استنزاف دائمة، تلتهم موارد الدول الثلاث وتؤخر مشاريعها السياسية والاقتصادية. فالجماعات المسلحة لا تحتاج دائما إلى احتلال المدن حتى تحقق أهدافها؛ يكفيها أن تجعل الطرق غير آمنة، والأسواق معطلة، والإدارات غائبة، والسكان في حالة خوف دائم. عندها تصبح الدولة موجودة في العاصمة، لكنها متقطعة الحضور في الأطراف.

من هنا تظهر أهمية البعد الاقتصادي في هذه المرحلة. فدول تحالف الساحل لا تخوض معركة أمنية فقط، بل تحاول في الوقت نفسه إعادة بناء علاقة الدولة بمواردها. إصلاح قطاع الذهب في مالي، وإعادة تنظيم القطاع المعدني في بوركينا فاسو، ومراجعة اتفاقيات اليورانيوم في النيجر، كلها خطوات تعبّر عن إرادة واضحة في تغيير قواعد اللعبة الاقتصادية القديمة.

هذه الإصلاحات تمنح الأنظمة الحاكمة في الدول الثلاث شرعية سياسية داخلية، لأنها تخاطب شعورا واسعا بأن ثروات الساحل ظلت طويلا خارج سيطرة شعوبه. لكنها في الوقت نفسه تضع هذه الدول تحت ضغط مضاعف: عليها أن تثبت أن استعادة السيادة على الموارد ليست مجرد شعار، بل يمكن أن تتحول إلى طرق ومدارس ومستشفيات وكهرباء وفرص عمل.

وهنا تحديدا تتقاطع الحرب الأمنية مع الحرب الاقتصادية. فكلما حاولت هذه الدول إعادة ترتيب علاقتها بالثروة والنفوذ والشركاء الخارجيين، ازدادت كلفة عدم الاستقرار. والجماعات المسلحة تدرك ذلك. فهي لا تستهدف الجيش وحده، بل تستهدف ثقة السكان في قدرة الدولة على حماية مشروعها الجديد.

كما أن الساحل لم يعد ساحة محلية. المنطقة أصبحت اليوم جزءا من إعادة تشكل جيوسياسي أوسع في إفريقيا. خروج أو تراجع النفوذ الفرنسي، صعود الشراكات الجديدة، حضور روسيا، انفتاح بعض العواصم على شركاء غير تقليديين، وتشكيل كونفدرالية دول الساحل؛ كلها عوامل جعلت الصراع الأمني محاطا بمعركة سرديات لا تقل شراسة عن المعركة الميدانية.

هناك سردية تقول إن دول الساحل تستعيد قرارها وتبني نموذجا سياديا جديدا. وهناك سردية مقابلة ترى أن هذه الدول دخلت عزلة خطيرة وتستبدل تبعية بأخرى. وبين السرديتين، تتحرك الجماعات المسلحة وتحاول استثمار كل ثغرة: ضعف الخدمات، أخطاء الجيوش، الانقسامات المحلية، الفقر، وغياب العدالة.

لذلك، فإن السؤال المركزي لم يعد: هل تستطيع جيوش مالي وبوركينا فاسو والنيجر الرد على الهجمات؟ لقد أثبتت أنها تستطيع الرد. السؤال الأهم هو: هل تستطيع هذه الدول تحويل الرد العسكري إلى استقرار سياسي وتنموي دائم؟

فالانتصار في الساحل لن يتحقق بعدد المسلحين الذين يتم تحييدهم فقط، ولا بعدد العمليات التي تعلن عنها هيئات الأركان. الانتصار الحقيقي يبدأ عندما يشعر سكان المناطق الحدودية والريفية أن الدولة ليست قوة عسكرية عابرة، بل سلطة عادلة وحاضرة، توفر الأمن، وتحمي الرزق، وتفتح الطريق، وتضمن الحد الأدنى من الخدمات.

من هذه الزاوية، تكشف موجة الهجمات الأخيرة حقيقة مزدوجة. الجماعات المسلحة ما تزال قوية وقادرة على التكيف والضرب المتزامن. لكنها، في المقابل، لم تنجح في كسر مسار التقارب بين دول تحالف الساحل، ولم توقف إصلاحاتها الاقتصادية، ولم تشل مؤسساتها. إنها قادرة على إرباك المشهد، لكنها لم تفرض حتى الآن انهيارا استراتيجيا.

يدخل الساحل إذن مرحلة اختبار طويلة. فالمعركة المقبلة لن تكون عسكرية فقط، بل ستكون معركة صبر ومؤسسات وثقة. ستُحسم بقدرة الدول الثلاث على الجمع بين القوة والانضباط، بين السيادة والحكامة، بين استعادة الموارد وتحويلها إلى تنمية، وبين حماية الحدود وكسب السكان.

أما الجماعات المسلحة، فستواصل محاولة جر المنطقة إلى حرب إنهاك مفتوحة. وستظل تراهن على أن تتعب الدول قبل أن تتعب هي. ومن هنا، فإن مستقبل الساحل لن يتحدد في ساحة المعركة وحدها، بل في قدرة دوله على إثبات أن مشروعها السياسي والاقتصادي أقوى من العنف الذي يحاول محاصرته.

 

احمد الهادي

ثلاثاء, 07/07/2026 - 15:40