المأمورية الثالثة والحوار.. أسطوانتان لإلهاء الرأي العام

مأمورية ثالثة، مأمورية ثانية، مأمورية أولى…

في العمق، عشنا قبل كل شيء عصر “المأمورية الصفرية”: ذلك العصر الذي لم يمارس فيه الشعب سلطته حقًا.

وبصراحة، ما الذي تغيّر عندنا جوهريًا من مأمورية إلى أخرى؟

 

 

قصة أمريكية

 

يعود أصل تحديد المأموريات الرئاسية باثنتين أساسًا إلى التجربة السياسية الأمريكية. فبعد أن قاد فرانكلين د. روزفلت الولايات المتحدة خلال أربع مأموريات متتالية، بين 1933 و1945، أثار ذلك نقاشًا واسعًا حول المخاطر المرتبطة بتركيز السلطة. وردًا على ذلك، اعتمد الكونغرس الأمريكي التعديل الثاني والعشرين للدستور سنة 1947، وصودق عليه سنة 1951. وهو يمنع الشخص نفسه من أن يُنتخب رئيسًا أكثر من مرتين.

 

 

إلهام مبتور

 

ألهم هذا المبدأ لاحقًا دساتير كثيرة عبر العالم. وكان يهدف إلى منع شخصنة السلطة، وتشجيع التداول الديمقراطي، وتقليص مخاطر الاستبداد، وتقوية المؤسسات بدل الأفراد.

لكن، في إفريقيا، أيٌّ من هذه الأهداف تحقق فعليًا؟

ما تزال شخصنة السلطة هي القاعدة. وما يزال التداول الديمقراطي هو الاستثناء. وما يزال الاستبداد يطبع الحياة السياسية في دول عديدة. أما المؤسسات، فقد أُضعفت في الغالب، وهُمشت، أو أُفرغت من مضمونها، باستثناء لافت هو مؤسسة الرئاسة.

في كل مكان، أو يكاد، يلجأ القادة إلى المراجعات الدستورية للالتفاف على تحديد المأموريات. أما الأيمان التي تُؤدى على القرآن أو الإنجيل، فكثيرًا ما تُذبح على مذبح الطموحات السياسية.

وكما هي حال حواراتنا الوطنية، تُطوّع دساتيرنا بحسب حاجات اللحظة.

ومع ذلك، فإن أصل المشكلة يوجد في مكان آخر.

فمنذ الاستقلال، ورثت دولنا عن النظام الاستعماري نخبة سياسية إدارية تعيد إنتاج نفسها باستمرار داخل السلطة. وقبل ما يسمى بالمسارات الديمقراطية وبعدها، حكم رؤساء دولنا في الغالب كأسياد مطلقين.

من كان سيدنا بالأمس؟ ومن هو سيدنا اليوم؟ ومن سيكون غدًا؟ هذا هو السؤال الجوهري.

صحيح أن المسار الديمقراطي جلب مكاسب مهمة في مجال الحريات العامة، لكنه فشل إلى حد بعيد في هدفه الأساسي: دمقرطة المؤسسات فعليًا.

 

 

نظام متعفن

 

يحيط كل رئيس نفسه بعشائر سياسية واقتصادية تتولى ضمان ديمومة سلطته. أما الشعب، فيظل متفرجًا على مسرحية أُعدت بعناية حتى لا تعكر أبدًا صفو الحاكمين.

في عهد معاوية، كانوا يحدثوننا عن الثقافة، والمعرفة، والقراءة، والكتاب، بينما كان نهب الموارد الوطنية يتواصل على كل المستويات.

وفي عهد عزيز، اتخذت وسائل الإلهاء أشكالًا أخرى: تغيير العلم، وتعديل النشيد الوطني، والجدل الهوياتي، والنقاش حول المقاومة الوطنية، ومبادرات دينية ذات حمولة رمزية قوية، مثل طباعة نسخة من المصحف.

واليوم، يبدو أن الرئيس غزواني أعاد إلى الواجهة وصفة سياسية قديمة: الحوار. طريقة مجربة لشغل الرأي العام، بينما تبقى المشكلات الحقيقية بلا جواب.

 

 

محاولات خجولة

 

من حين إلى آخر، يحاول بعض القادة الأفارقة، بخجل، التشكيك في آليات النظام النيوكولونيالي. لكن سرعان ما يتم تذكيرهم بالحدود من طرف القوى والمصالح الخارجية التي ما يزال بقاؤهم السياسي يعتمد عليها إلى حد كبير.

لنتخيل لحظة أن موريتانيا قررت تحويل خام الحديد محليًا، حتى تنتج بنفسها المواد التي تستوردها اليوم بأسعار مرتفعة. إن مبادرة من هذا النوع ستقلب كثيرًا من المصالح القائمة.

 

 

تعفن كوني

 

ما يزال النظام الاقتصادي الدولي شديد اللامساواة. وهو يعمل بفعالية تحديدًا لأنه صُمم لخدمة مصالح القوى الاقتصادية الكبرى والشركات متعددة الجنسيات التي تهيمن على السوق العالمية.

ولضمان استمرار هذا النظام، يلجأ حكامنا إلى حيل متعددة: حوارات لا تنتهي، تدوير الوجوه السياسية نفسها، وعود متكررة، توزيعات ظرفية للمساعدات الاجتماعية، وحملات اتصال مدروسة بعناية.

 

 

فساد محلي مستوطن

 

وفي الأثناء، وبعد أكثر من ستين سنة على الاستقلال، ما يزال جزء كبير من شعبنا يعيش في هشاشة كنا نظن أنها حكر على سنوات الجفاف الكبرى.

أما الفساد، فهو يُدان منذ الأزل. كل الأنظمة شجبته، ولم ينجح أي منها في القضاء عليه. بل إن الانقلابات نفسها كثيرًا ما بُررت باسم مكافحة هذه الآفة.

وهكذا، نجد صعوبة في الابتكار. نعيد إنتاج الممارسات نفسها، والخطابات نفسها، وآليات الهيمنة نفسها.

ومع اقتراب كل استحقاق سياسي كبير، تعود الأساليب القديمة إلى الواجهة: إعادة تدوير مسؤولين سابقين، عودة وجوه فقدت مصداقيتها، ووعود بإصلاحات لا تتحقق أبدًا.

 

 

المساءلة

 

ومع ذلك، ففي كل فضاءات النفوذ الفرنسي السابقة في إفريقيا تقريبًا، تجري مراجعة عميقة للنظام الموروث عن الاستقلال. فالشعوب لم تعد تطالب بمجرد تغيير الحكام، بل بتغيير النظام نفسه.

إنها لم تعد تحتج على الحاكمين وحدهم، بل باتت تشكك أيضًا في بعض المعارضات التقليدية التي تراها جزءًا من المنظومة ذاتها.

لذلك، أرجوكم، كفوا عن محاولة إلهاء الرأي العام بإعادة تدوير الفاعلين السياسيين أنفسهم إلى ما لا نهاية. لقد تطور مستوى الوعي الشعبي كثيرًا.

 

 

حلمنا

 

ربما سنرى غدًا بروز شاب إصلاحي قادر على القطيعة مع ممارسات الماضي، قائد يستلهم التجارب الكبرى للتحول التي عرفتها أمم أخرى.

ومن يدري؟ ربما يفاجئنا الرئيس غزواني نفسه، ولم لا في هذه الأيام، بإطلاق الإصلاحات العميقة التي لم يعد كثيرون يجرؤون على الأمل بها، أو بتمهيد الطريق أمام المواطن المثالي المنشود.

ففي النهاية، قد يحمل التاريخ أحيانًا مفاجآت كانت السياسة تبدو وكأنها جعلتها مستحيلة.

اثنين, 29/06/2026 - 11:20