
بمناسبة العفو الرئاسي عن مجموعة من السلفيين، أتوقف هنا عند بعض المحطات المهمة في تاريخ التطرف الديني في موريتانيا، ذلك أن كثيرًا من المهتمين بالحركات الإرهابية في الساحل يغفلون، قصدًا أو عن غير قصد، مرحلةً مهمة في التأريخ لنشأة هذه الحركات.
فقد بدأت بوادر التنظير لهذا الفكر مع طلاب المعهد السعودي في نواكشوط، حيث أثّر بعض أساتذته من السعوديين والمصريين في عدد من طلاب المحاظر الموريتانية. وبدأ الخطاب المتشدد يتسلل إلى المحاظر، التي كانت على الدوام رمزًا للتسامح الديني والوسطية.
ثم جاءت الأزمة الجزائرية، أو ما يُعرف في أدبيات الصحافة الجزائرية بالعشرية السوداء، التي تسببت في هجرة مئات الجزائريين الحاملين لهذا الفكر. وكان لتوزعهم في المحاظر أثر بالغ في انزلاق النهج المحظري عن بساطته المعهودة، خاصة أن شيوخ المحاظر لم يدركوا، في ذلك الوقت، طبيعة المخاطر الناجمة عن هذا التطرف الدخيل على المجتمع.
وبالتزامن مع هذا الوضع الداخلي، الذي استفاد من غياب الرقابة على الطلاب في الأوساط المحظرية، جاءت الحرب على العراق، وكان لها تأثير بالغ في الشباب الموريتاني. وفي سياق تلك التأثيرات الدولية، برز أسامة بن لادن بخطابه المؤثر، الذي استقطب مئات الشبان الموريتانيين.
وهكذا انتقل الأمر من طور الإقناع والتأثر إلى طور التنظيم المسلح، كما ساهمت مبايعة مختار بلمختار (بلعور) لتنظيم القاعدة في استقطاب المزيد من الموريتانيين، وقد عرفت بعضهم على مقاعد الدراسة، كما جمعتني صداقة الطفولة ببعضهم.
كان الوضع، في بداية الألفية، قد بلغ أعلى مستويات التصعيد، في ظل غياب شبه تام لدور الدولة والمجتمع، إذا ما استثنينا بعض الدراسات والتحليلات الأكاديمية التي كانت تصف الظاهرة أكثر مما تعالج أسبابها ودوافعها.
والمفارقة في هذا “الجهاد” الذي أثار حماس عدد من الشباب الموريتاني أنه تداخلت فيه أجندات الاستخبارات مع مصالح المهربين، بينما كان المتحمسون يرونه جهادًا خالصًا لا لبس فيه.
جُنِّد شباب موريتانيا بصمت، بعيدًا عن أعين الرقيب الاستخباراتي والمجتمعي، لتجد الدولة نفسها فجأة في مواجهة دامية. فسقط أفراد من القوات المسلحة في هجمات متعددة وفي مناطق مختلفة مثل تورين والغلاوية ولمغيطي، وأظهرت ممارسات المهاجمين قدرًا كبيرًا من الحقد والإصرار على الانتقام، رغم أنهم ينتمون إلى الدين نفسه والوطن نفسه. وهذا يعني أن دعاية استمرت لعقد من الزمن نجحت في قتل كل الروابط، بما فيها روابط الدم والدين والوطن، ليتحول بعض شبابنا إلى خطر حقيقي يهدد قواتنا المسلحة، التي كانت تؤدي واجبها آنذاك في ظروف بالغة الصعوبة.
ثم انتقل الأمر من غارات على الحدود إلى قلب العاصمة، وتحديدًا حي (سانتر امتيير) الذي يعد من أرقى أحياء نواكشوط، حيث دارت اشتباكات عنيفة تسببت في قتل ضابط من الشرطة الوطنية، وفي وضح النهار، على يد شبان موريتانيين يدفعهم حماس هستيري لترويع الآمنين وقتل النفس التي حرم الله بغير وجه حق.
كان الألم أكبر من كل التوقعات؛ فدولة تحمل اسم الجمهورية الإسلامية الموريتانية يُقتل جنودها وضباطها وعناصر شرطها باسم “الجهاد”، وعلى أيدي من يفترض أنهم أبناء المحاظر الذين نهلوا من المنهج نفسه، لكن تحت تأثير دعاية سلفية متشددة بلغت حد تكفير شيوخ المحاظر أنفسهم. ومع ذلك، لم يطرح كثير من المهتمين السؤال الجوهري: من أين جاء الخلل؟ لتدفع موريتانيا ثمنًا باهظًا، تحت عناوين مختلفة ومعقدة في الآن ذاته.
في يوم أمس أصدر الرئيس عفوًا عن الخلية ذاتها التي فرّ عدد من أفرادها قبل عامين من السجن، بعد قتلهم، بوحشية، أحد أفراد الحرس الوطني وترويع سكان نواكشوط.
ويضاف إلى هذه المعطيات غير المشجعة التطور الكبير في القدرات القتالية والتنظيمية لتلك الحركات، خاصة في مالي والنيجر. ووفق تقدير بعض المهتمين، فإن الأمر يتعلق باحتمالية تلقي دعم استخباراتي وعسكري من قوى غربية، إذ إن العملية النوعية التي استهدفت مطار نيامي ليست سوى نتيجة طبيعية لذلك الدعم.
صحيح أن بعض المراقبين يرون في خطوة الإفراج عن السلفيين نوعًا من المهادنة، لتجنيب موريتانيا ما تعرضت له جيوش أخرى من هجمات تنظيم بات أكثر قوة ونفوذًا. غير أن التغير المفاجئ في مواقف السجناء السلفيين بعد ثمانية عشر عامًا من السجن، وبعد أن أخفقت حوارات العلماء في إقناعهم، يجعل كثيرًا من المحللين الأمنيين، فضلًا عن أهالي الضحايا، يخشون أن يكون العفو الرئاسي الأخير صلحًا على جرح ظل ينزف منذ عقدين من الزمن، وقد تزيده التحولات الجيوسياسية عمقًا في أي لحظة.
د. أمم ولد عبد الله



.jpeg)

.jpeg)