اتفاق أمريكا-إيران.. يضع حداً لغطرسة نتنياهو واوهامه التوسعية ولحياته السياسية

في صفقة سياسية دراماتيكية من شأنها إعادة تشكيل خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى مذكرة تفاهم برعاية باكستانية، لإنهاء الحرب التي نجح بنيامين نتنياهو في جر الولايات المتحدة إليها أواخر فبراير الماضي.

الاتفاق المتوقع توقيعه رسمياً في سويسرا اليوم الجمعة 19 حزيران/يونيو الجاري، يُعتبر بمثابة بركان استراتيجي فجر أركان التحالف اليميني الحاكم في الكيان الصهيوني الأشد تطرفاً في تاريخه. كما يُعد كارثة سياسية حلت على نتنياهو، تدمر أوهامه الاستعمارية التوسعية، وتضع حداً لأكاذيبه ووعوده الزائفة التي يخدع بها ناخبيه. فما كان منه إلا أن لجأ إلى بضاعته الكاسدة والرخيصة بتخويف الناخبين أنهم كانوا سيُبادون جميعاً لولا الحرب التي شنها على إيران، في محاولة مكشوفة لتدارك الكوارث التي جلبها للكيان الغاصب طوال فترة حكم ائتلافه الأشد تطرفاً وفشلاً على كافة الأصعدة.

سياسياً، فقد الكيان نتيجة سياسة نتنياهو وعصابته الدموية دعم ومساندة الشعوب الغربية، بما فيها الشعب الأمريكي، وفق استطلاع رأي أجراه مركز بيو في أبريل الماضي، أصبح حوالي 80% من الأمريكيين الديمقراطيين، وحوالي 56% من الشباب الجمهوريين، غير مؤيدين للكيان الصهيوني. هذا تحول تاريخي مهم جداً له ما بعده مستقبلاً.

حالياً بدأ تصدع علني في المواقف الرسمية الأمريكية والصهيونية، لدرجة رفض الأمريكيين لطلب صهيوني للاطلاع على تفاصيل الاتفاق. فلجأ الصهاينة إلى التجسس على كبار أعضاء إدارة ترامب بزرع برامج تنصت في هواتفهم ومكاتبهم وغرف اجتماعاتهم، فأنكشف أمرهم وتحولت فضيحة التجسس إلى أزمة ثقة بين الطرفين. فتطور الأمر إلى تبادل الإهانات بين الرسميين في الطرفين، وصولاً إلى حملات إعلامية صهيونية مسعورة ضد أعضاء الإدارة الأمريكية، بما فيهم ترامب شخصياً ونائبه فانس ووزير خارجيته روبيو ووزير حربه هيغسيت ومبعوثيه ويتكوف وكوشنر وغيرهم، رغم أنهم من أكبر وأشد مؤيدي الكيان.

الكيان لا يريد من الولايات المتحدة دعماً لا محدوداً سياسياً وعسكرياً وأمنياً ودبلوماسياً وقانونياً ودولياً واستخبارياً وتكنولوجياً واقتصادياً ومالياً فقط، بل يريد أكثر من 100%، أي يريدها أن تنصاع لرغباته الإجرامية صاغرة حتى لو دُمّر اقتصادها وارتفعت نسب التضخم والبطالة وزادت معاناة مواطنيها، ولا يبالي هذا الكيان الإرهابي بتأثير ذلك على مستقبل ترامب وحزبه الحاكم في الانتخابات النصفية بعد حوالي خمسة أشهر.

أصبح أكبر قادته إما مطاردين ومنبوذين دولياً ومطلوبين للمحاكم الدولية لارتكابهم جرائم حرب وإبادة جماعية، وإما غير مرحب بهم وممنوعين من دخول الكثير من الدول، وهذا ما صرح به علناً جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي رداً على انتقادات شديدة وجهها الإرهابيان سموترتش وبن غفير للرئيس ترامب وأركان إدارته بما فيهم فانس الذي قال في رده غير المسبوق "إن إسرائيل خسرت كل رؤساء العالم ولم يبقَ مؤيداً لها سوى الرئيس ترامب"، ويبدو أنهم سيخسروه هو الآخر إن شاء الله.

لم يكن الكيان الصهيوني يوماً أضعف مما هو عليه في عهد نتنياهو، فقد نجح في دفع الدول الغربية التي أوجدت هذا الكيان وكانت السبب الأساسي في استمراره إلى الانفضاض من حوله، وتحول بعضها إلى الضغط عليه سياسياً، وتوالي الاعترافات بالدولة الفلسطينية في العامين الماضيين من دول رئيسية في العالم (بريطانيا، فرنسا، كندا، أستراليا، إسبانيا، أيرلندا، النرويج، سلوفينيا، أرمينيا وغيرها) دليلاً واضحاً على هذا التحول المهم، إضافة إلى نجاحه في تحويل بعض الدول التي كانت تربطها علاقات طبيعية مع الكيان إلى عدو أو خصم (إسبانيا، تركيا، مصر، البرازيل، كولومبيا، بوليفيا، جنوب أفريقيا وغيرها).

شهد عهد نتنياهو غير الزاهر تدميراً شبه تام للاقتصاد الصهيوني، هجر الكيان آلاف الشركات والاستثمارات الغربية (خصوصاً شركات التقنية المتقدمة الأمريكية)، ولحق بها مئات الآلاف من المهنيين والخبراء من فئة الشباب حملة الدرجات الجامعية العليا. أفلست وخرجت عدة آلاف أخرى من الشركات المحلية من السوق، مع ما يترتب عليه من فقدان مئات الآلاف لوظائفهم. أُجبر مئات الآلاف من جنود الاحتياط على ترك وظائفهم وأعمالهم ومصالحهم والزج بهم في جبهات الحروب. هذا علاوة على تكاليف أربعة أعوام متتالية من الحروب المستمرة، وما يعنيه ذلك من نزيف مالي هائل وارتفاع غير مسبوق في حجم الدين العام الصهيوني.

كما شهدت السنوات الثلاث الماضية وفقاً لبعض المصادر هجرة ما يقارب من مليون يهودي إلى خارج فلسطين هرباً من حروب نتنياهو المتتالية ومعظمهم من جيل الشباب حاملي الشهادات الجامعية وما فوق وممن لديهم خبرات مميزة.

ناهيك عن خسارة آلاف القتلى وعشرات الآلاف من المصابين من الجنود وخسارة مئات الدبابات والآليات ونفاذ ذخائر منظومات الدفاعات الجوية.

كرس نتنياهو معظم حياته السياسية لإضعاف إيران عن طريق تغيير نظامها الحاكم (متذرعاً بحجة خطورة برنامجها النووي) واستبداله بنظام موالٍ على طريقة الشاه البائد. إيران لم تكن تشكل أي تهديد وجودي للكيان الصهيوني كما كان يزعم نتنياهو، فهي لم تسعَ للحصول على سلاح نووي رغم امتلاكها الإمكانيات، بسبب فتوى أصدرها مرشدها السابق آية الله علي خامنئي.

السببان الحقيقيان وراء معاداة نتنياهو لإيران أنها كانت وستبقى سداً منيعاً في وجه أطماعه التوسعية، وعائقاً كبيراً في وجه أوهامه بنشر وتوسيع نفوذه السياسي والأمني في كافة أنحاء المنطقة، وأحلامه بإخضاع دولها لسيطرته، وهذا السبب الأول، أما السبب الثاني فإن إيران القوية بصواريخها ومسيراتها وسيطرتها على مضيق هرمز تشكل منافساً قوياً جداً لتكون حليفاً استراتيجياً حقيقياً للدول العظمى في النظام العالمي المستجد سواء الصين أو روسيا أو حتى الولايات المتحدة، وستكون قادرة على سحب البساط من تحت الكيان الإرهابي مما سيكون كفيلاً بتجريد هذا الكيان من قدراته على ابتزاز الولايات المتحدة والحصول على كل هذا الدعم الأمريكي اللامحدود.

للأسف، نجحت مخططاته نسبياً بدعم أمريكي لا محدود في تحقيق خطوات مهمة نحو هدف تحييد النفوذ الإيراني، واستطاع خداع الولايات المتحدة وجرها إلى حروب عديدة لا ناقة لها فيها ولا جمل، بغية إزالة عوائق أخرى كبيرة من طريقه (مثل تدمير القوات العسكرية العراقية والسورية والليبية واليمنية، وتحييد الجيش المصري باتفاقيات كامب ديفيد). فلم يبقَ أمامه إلا إيران وتركيا، فرأى أن يبدأ بإيران، ولكن "يمكرون ويمكر الله".

هذا ومن ناحية أخرى، يشمل الاتفاق المذكور 14 بنداً تناقلتها وسائل الإعلام، ولكن أكثر ما كان ملفتاً البنود التالية:

• التزام إيران بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي (إيران أعلنت مراراً أنها لم تفكر يوماً بإنتاج سلاح نووي بناءً على فتوى ملزمة، كما أن اتفاق إدارة أوباما الذي ألغاه ترامب كان ينص إلى ذلك).

• وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على كل الجبهات، بما فيها لبنان (يعني نهاية حلم "إسرائيل الكبرى" وهذا أهم بند في برامج نتنياهو، سموترتش، بن غفير، ما يعني أنهم خسروا كرتاً مهماً كان يمكنهم تسويقه لناخبيهم المتطرفين).

• إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية فوراً (المضيق كما يعلم الجميع كان طوال عمره مفتوحاً بدون أي قيود).

• رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية (يعني أن إيران ستتمكن من شحن وتسويق كافة منتجاتها عالمياً مثل النفط، البتروكيماويات، السجاد، المسنوجات، التحف وغيرها).

• إلغاء جزئي للعقوبات وإفراج محتمل عن حوالي 25 مليار دولار من الأصول المجمدة الإيرانية، بالإضافة إلى تخصيص 300 مليار دولار لإعمار إيران وتطوير بنيتها التحتية.

 

آخر الكلام: إن رفع الحصار والعقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية وتخصيص المليارات لإعادة الإعمار يعني تدفق مئات المليارات ويمكن تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد الإيراني، وهذه تطورات مبشرة جداً ستفتح أمام إيران آفاقاً هائلة وستدخلها في عصر جديد مختلف وسيكون لها آثار واعدة جداً. تخيّل أنه رغم الحصار لأربعة عقود، صنعت برنامجاً نووياً هزّ أمريكا والكيان، وطورت برنامجاً صاروخياً ومسيّرات فعالة أرعبت كافة دول المنطقة، وكرّسها قوة إقليمية رئيسية انتزعت مساحة نفوذ مكّنتها من فرض إرادتها وشروطها على دولة عظمى بحجم الولايات المتحدة. السؤال الذي يقفز إلى الأذهان... كيف سيكون وضعها بعد رفع الحصار وتدفق الأموال؟ وهذا بالضبط ما يرعب الكيان الغاصب، الذي يرى في ثنايا هذا الاتفاق تهديداً استراتيجياً له، ولعل أكبر الخاسرين من هذا الاتفاق هو نتنياهو، فالاتفاق يضعه في موقف سياسي حرج جداً مع اقتراب الانتخابات المبكرة، ويُعدّ ضربة قاسية لمستقبله السياسي بعد سنوات من الوعود الكاذبة بإزالة الخطر الإيراني حسب زعمه وما ترتب على ذلك من كوارث عسكرية واجتماعية واقتصادية ومغامرات فاشلة، وعلى الأرجح لن يجد ما يبيعه لشريحة اليمين الانتخابية في الانتخابات المبكرة القادمة بعد حوالي 3 أشهر، وفقاً لأحدث استطلاعات الرأي فإن تحالفه المتطرف لن يتمكن من الحصول على الأغلبية الكافية لتشكيل الحكومة المقبلة، وهذا يعني أن محاكمته بتهم الرشوة والفساد وخيانة الأمانة ستأخذ زخماً حقيقياً ومساراً سيؤدي به إلى السجن، وكونه على أبواب الثمانين من العمر ويعاني من أمراض لا حصر لها إضافة إلى أنه مدخن شره، فعلى الأرجح أنه لن يغادر السجن حياً....وهذه هي النهاية التي يستحقها بجدارة.

 

د. سمير الددا

[email protected]

 

 

جمعة, 19/06/2026 - 09:33