الأخطاء الاستراتيجية التي أثخنت البلد جراحًا

لا ترتبط الأخطاء التالية بالنظام الحالي بشكل كامل، لكنها تكثفت في السنوات الأخيرة. وكما يحدث للجرح حين يُهمل فيتحول إلى ندبة أو عاهة يراها كل أحد، فقد حدث الشيء نفسه تقريبًا. لقد حدّت هذه الأخطاء أو التوجهات من السيادة الوطنية ومن البريق الدبلوماسي لبلدنا، وإن كانت قد وفرت أيضًا نوعًا من الأمان السطحي؛ فقد توقفت الحملات الإعلامية في الغرب عن اتهام بلدنا بانتهاك حقوق الإنسان، وغضّت فرنسا والاتحاد الأوروبي الطرف عن بعض التجاوزات التي كانت هذه الدول تقيم الدنيا ولا تقعدها بسببها، أو حتى بسبب ما هو أخف منها. وكل ذلك ببركة هذه الأخطاء.

 

………

 

أولًا: الرهان على الناتو

 

كان أول وأعمق خطأ في حساباتنا هو ربط هويتنا الأمنية طويلة المدى بحلف الناتو، مع أنه، وكما هو متواتر، منظومة من منظومات الحرب الباردة التي أصبحت جزءًا من الماضي. وقد أعلن رئيس الولايات المتحدة، التي هي الممول الرئيسي للناتو، أنه تحول إلى نمر من ورق، وهذا كافٍ كإعلان للوفاة؛ ولهذا فإن رهان بلدنا عليه يشبه شراء بوليصة تأمين من شركة متوقفة عن دفع التعويضات.

 

ثانيًا: التودد للإمارات العربية المتحدة

 

راهنت بلادنا بقوة على شراكة استراتيجية مع الإمارات العربية المتحدة، وفي الظاهر بدا الأمر مغريًا؛ فهذا بلد تحول إلى نموذج: أموال وأسواق وموانئ وقدرات لوجستية. لكن في الواقع، فإن أولويات الإمارات معاملاتية وشبه كولونيالية، ولها ديناميكياتها وشروطها، ومن بينها الولاء في المحافل والدعم في المواقف، مما يؤثر على السيادة ويدخل البلد في مغامرات وصراعات لا تعنيه. وبالتالي، فإن ما خلقته هذه العلاقة من توتر ذهني وتبعية يبدو أكثر بكثير مما حققته من تنمية.

 

ثالثًا: صندوق النقد الدولي وطعن السيادة الاقتصادية

 

شكّل تعاوننا المكثف مع صندوق النقد الدولي، وقبولنا شروطه، ضربة قاسية لسيادتنا الاقتصادية. فمع تناقص الاحتياطي وارتفاع الديون، جلبت تسهيلات الصندوق الموسعة قروضًا طارئة، لكنها فرضت أيضًا تقشفًا وصعوبات؛ حيث تم إلغاء الدعم عن المحروقات، وتجميد أو تقليص الوظائف العامة، وزيادة الضرائب على السلع الأساسية، وهي الإجراءات التي عانينا منها في التسعينيات. فهي تضرب الأفقر بشدة، وتوسع فوارق الدخل، وتعطي المستثمر ورجل الأعمال دفة التحكم في معاش المجتمع، وآثار ذلك وعواقبه غير قابلة للتوقع والتقدير.

 

رابعًا: ازدراء الجغرافيا

 

من الأخطاء العميقة أيضًا عدم بلورة رؤية جماعية للأمن والتنمية في الساحل، بعيدًا عن مصالح الأجانب وحساباتهم. فقد أثبتت الأحداث في كل مكان أن الرهان، كل الرهان، هو على الجغرافيا والقدرات الذاتية والتعاون الإقليمي فقط.

أربعاء, 06/05/2026 - 11:57