يوميات كادح في زمن التشريد…

إلى من يهمهم الأمر، إلى أصحاب الضمائر الحية، وإلى تلك الثلة القليلة المتبقية من رجال الدولة. قصتي هنا تحكي عن واقع التشريد الممنهج في موريتانيا، تحكي عن أحدهم.

 

كان كل يوم يستيقظ مفعمًا بالأمل، ويعاود روتين حياته اليومي في منطقة تبعد ألف كيلومتر عن العاصمة. يسكن في عريش بالكاد يقي أسرته حر الشمس وبرد الشتاء. لكن ذلك لم يمنعه من الاستمرار في دراسته، التي جمع بينها وبين رعي الغنم والعمل في الأسواق الأسبوعية.

 

فجأة أُغير على قريته الحدودية، فلم يعد يملك شيئًا، فاضطر إلى الهجرة إلى نواكشوط. استأجر مع أسرته عريشًا فيما يسمونه “حياة جديدة”. وكان فعلًا يعتقد أنه سيبدأ حياة جديدة مفعمة بالأمل، فكل الشعارات من حوله تشجعه على ذلك.

 

واصل هذا المسكين دراسته حتى تخرج من الجامعة. حاول بكل ما أوتي من عزيمة أن يجد عملًا يناسب شهادته، لكنه لم يجد سوى وعود خاوية. قرر الهجرة إلى أمريكا عبر “الحائط”، لكن ظروفه المادية حالت دون ذلك. حاول جاهدًا أن يحصل على مبلغ يؤمن له تكاليف مغامرته، فعمل حارسًا للمخازن في الليل، ثم سائق تاكسي، لكنه بالكاد كان يفي بحاجيات أسرته اليومية. ورغم ذلك كان سعيدًا بأنه تغلب على مشكلة السكن في العاصمة، وهذا شكل حافزًا مهمًا للاستمرار في كفاحه اليومي. لذلك بدأ في بناء بيت، وضع أساسه بعد شهور من العمل المتواصل على غرار معظم جيرانه الذين كانوا يتحدثون بفخر عن مراحل البنيان؛ فبعضهم وصل إلى النوافذ، والبعض الآخر بالكاد حصل على طن من الحديد وخنشات من الأسمنت، وبينما هم في نشوة هذا الجهد، تفاجأ الجميع بقرار يجبرهم على إخلاء حيهم، فهناك متنفذون يسعون لجعله محلات تجارية.

 

حينها قرر سكان الحي أن ينظموا وقفات احتجاجية أمام الوزارة الوصية لرفع الظلم عنهم، لكنهم وجدوا أنفسهم محاصرين بين قبضة الأمن من جهة، وقلق تأمين قوتهم اليومي من جهة أخرى. فرجال الحي ونساؤه يدركون أن بقاءهم على قيد الحياة مرتبط بعملهم من أجل تأمين لقمة العيش، وحين يخصصون ساعات للاحتجاج فسيكون ذلك على حساب قوتهم اليومي.

 

ذات مرة، وبعد أن أجهدتهم الظروف، اجتمعوا في مكان بعيد وقرروا أن يوزعوا المهام: قلة تذهب للاحتجاج لدى الوزارة الوصية، والبعض الآخر يذهب للعمل ولجمع ما استطاعوا جمعه لتشييد الأعرشة. وفعلاً استطاعوا أن يبنوا مساكن هشة في منطقة نائية. وظن الجميع أنهم باستطاعتهم أن يبدأوا كفاحهم اليومي من أجل لقمة العيش وتدريس أبنائهم في مدارس تبعد عشرة كيلومترات.

 

كان “خداج” هو رئيس هذا الحي الجديد، فكوّن عدة لجان ووزع أدوارها حسب حاجات أهل الحي. فكلف لجنة بتأمين الماء، وأخرى بمرافقة الأطفال إلى مدارس أقرانهم لأنهم لا يملكون تكاليف النقل، ولا توجد أصلًا أي وسيلة لنقلهم، وأخرى مكلفة بجمع التبرعات. وخلال فترة وجيزة تمكنوا من بناء مسجد ومدرسة، فتطوع أبناء الحي من حملة الشهادات بالتدريس فيها.

 

كانت لديهم اجتماعات فصلية لتقييم أداء اللجان التي كونوها. وظن الجميع أنهم تجاوزوا مرحلة الخطر رغم فقرهم وقلة حيلتهم. وفي إحدى الليالي المقمرة، خرج أحد النافذين بسيارته الفارهة فرأى ضوء شمعة من بعيد وسمع صياح ديكة الحي. اقترب من المكان فإذا هو أمام أعرشة في غاية التنظيم، في مكان نظيف وهادئ. قام بجولة سريعة بين أزقة هذا الحي الهادئ وقرر أن يجعله منتجعًا سياحيًا.

 

وبعد أسبوعين، جاء إلى “خداج” وجماعته أمر بإخلاء المكان. لم يصدقوا أن حيهم المعزول يمكن أن يكون محل أطماع لبارونات العقار، لكن الحقيقة كانت صادمة، إذ داهمتهم قوة عسكرية بجرافات وإطلاق مكثف للنيران في الهواء. أصاب الجميع الذعر لأن أصوات الرصاص كانت مصحوبة بأصوات الجرافات ومطالبات بإخلاء المكان فورًا من خلال مكبرات الصوت. كانت الساعة تشير إلى الرابعة صباحًا. نزح الجميع في هلع تاركين أمتعتهم المتواضعة، ليكتشفوا من تلك اللحظة أن هذه كانت مجرد بداية…

 

يتبع..

د. أمم ولد عبد الله

 

 

 

 

سبت, 18/04/2026 - 15:25