ماذا لو اعتمدنا درعًا اجتماعيًا فوريا؟

من خلال ملاحظاتي الميدانية وما يرد من شهادات متقاطعة من مواطنينا، يبدو أن حالة التململ الاجتماعي التي ترسخت بالفعل آخذة في الاتساع تدريجيًا. ومع ذلك، فإن هذه الديناميكية الجارية ما تزال قابلة للاحتواء، شريطة إدخال تعديلات موجهة في الوقت المناسب.

وفي هذا السياق، من المهم التأكيد على أنه رغم الضغوط الحقيقية الواقعة على المالية العامة، نتيجة الحاجة إلى تعويض ارتفاع أسعار المحروقات، فإن هامش التحرك لا يزال قائمًا. ومن ثم، يمكن التفكير في حلول قابلة للتنفيذ تقنيًا ومحتملة الكلفة ماليًا، بما يخفف الضغط المباشر المسلط على الأسر.

ومن بين هذه الآليات، وغيرها من الخيارات الممكنة، يمكن أن يشكل اعتماد درع وقود موجه أداة فعالة للتعديل. فمن خلال تركيز الدعم، لا على مجمل الاستهلاك، بل على فئات محددة بوضوح مثل النقل العمومي، وسيارات الأجرة، وسلاسل الإمداد، والصيادين، والفاعلين الزراعيين، سيكون بالإمكان الحد من انتقال زيادات الأسعار إلى الاقتصاد الحقيقي.

وعلى المستوى العملي، يمكن تنفيذ هذا النظام على مراحل بسيطة ومضبوطة. ففي مرحلة أولى، يتم إعداد إحصاء دقيق للمستفيدين بالاعتماد على القواعد المتوفرة سلفًا: نقابات النقل، وسجلات التراخيص، وتعاونيات الصيد والزراعة. ومن شأن هذا التحديد أن يسمح بإنشاء قاعدة بيانات موثوقة تُحدَّث بانتظام.

وفي مرحلة ثانية، يُمنح كل مستفيد حصة شهرية من الوقود بسعر منظم، تُحتسب على أساس متوسط الاستهلاك المرتبط بطبيعة نشاطه: عدد الكيلومترات التقديري بالنسبة للناقلين، أو حجم النشاط بالنسبة للصيادين والمزارعين. ويمكن تجسيد هذه الحصة عبر بطاقة إلكترونية، أو رمز خاص، أو نظام قسائم مؤمنة، لا تُستخدم إلا في محطات خدمة معتمدة يتم اختيارها مسبقًا.

وعلى مستوى المحطات، يمكن اعتماد نظام تسجيل بسيط للعمليات يتيح تتبع كل معاملة: هوية المستفيد، الكمية المسلمة، التاريخ، ونقطة التوزيع. ويمكن مركزة هذه المعطيات تدريجيًا من دون الحاجة إلى بنية تحتية ثقيلة، عبر الاعتماد على أدوات رقمية خفيفة، أو حتى على سجلات مراقبة في مرحلة أولى.

 

 

ضمان الإنصاف

 

إلى جانب ذلك، ينبغي اعتماد آليات صارمة تمنع تجاوز الحصص المخصصة، مع القيام برقابة ميدانية عشوائية وموجهة من طرف المصالح المختصة للتحقق من مطابقة الاستخدام. كما أن أي محاولة لإعادة البيع، أو التحويل عن الغرض، أو الغش، يجب أن تواجه بعقوبات رادعة قد تصل إلى تعليق الاستفادة من هذا النظام.

أما تمويل الفارق بين سعر السوق والسعر المنظم، فيمكن أن يتم عبر غلاف مالي مخصص ومؤطر بدقة، بما يسمح بالتحكم في الكلفة الإجمالية بفضل الاستهداف الدقيق للمستفيدين.

ومن شأن مثل هذا النظام، بما يتسم به من بساطة نسبية واستهداف وقابلية للتتبع، أن يوفر توازنًا بين الفعالية الاجتماعية الفورية والاستدامة المالية، مع الحد من مخاطر الانحراف التي غالبًا ما تصاحب الدعم المعمم.

وفي الروح نفسها، يمكن تفعيل آلية لتوزيع الغاز المنزلي المدعوم بسرعة، بالاستناد إلى أدوات سبق اختبارها على المستوى الوطني. فـالحوانيت النموذجية، التي تستخدم كقنوات لتوزيع المواد المدعومة لفائدة الفئات الهشة، مثل السمك والمواد الأساسية، توفر قاعدة لوجستية جاهزة للتعبئة الفورية. ومن شأن تشغيلها في هذا الإطار أن يتيح توزيعًا موجّهًا للغاز بسعر مخفض، استنادًا إلى معايير اجتماعية بسيطة وشفافة. كما أن اعتماد حصص لكل أسرة، مقترنًا بمتابعة محلية دقيقة، سيسهم في ضمان الإنصاف والحد من التحويلات غير المشروعة.

ولا تدعي هذه المقترحات أنها بديل عن التوجهات العامة للسياسات العمومية، لكنها تُظهر أن من الممكن ما يزال إدخال تعديلات مستهدفة ذات أثر اجتماعي قوي، من دون الإخلال بالتوازنات الماكرو-اقتصادية. وهي تعكس قبل كل شيء قدرة على التكيف مع وضع متغير.

فالتحدي اليوم لا يتمثل فقط في تدبير قيد ظرفي، بل في استباق آثاره على التماسك الاجتماعي. وفي هذا المجال، يمكن لسرعة الإجراءات، وملاءمتها، ودقتها، وحسن استهدافها، أن تصنع الفارق.

ما يزال الوقت متاحًا للتحرك بشكل متزن، ولكن حاسم.

 

هارون رباني
رئيس المرصد الجيوستراتيجي – دائرة

جمعة, 17/04/2026 - 11:24