
قبل فترة، قرأت كتابًا بعنوان: “تجارة الانتباه: الصراع المحموم للسيطرة على عقولنا”، للكاتب الأمريكي Tim Wu، أو: The Attention Merchants: The Epic Scramble to Get Inside Our Heads، وهو كتاب في غاية الأهمية لمن يبحث عن فهم دوافع الدعاية بصورة عامة عبر تاريخها الطويل، وخاصة في جانبها السياسي، فقد خصص جانبًا للحديث عن استخدام الانتباه للتأثير السياسي.
هذه التقنية، وإن كانت من وجهة نظره تُستخدم أساسًا في أوقات الحروب، إلا أنها في موريتانيا أصبحت، بحكم الواقع، هي السمة السائدة في الخطاب السياسي، حيث تحل متلازمة الشرائحية والبذاءة محل النضال والدفاع عن حقوق المستضعفين، وتذوب دلالات المفردات في قاموس من الحماسة لتصبح الإساءة جزءًا لا يتجزأ من حرية التعبير.
كان من المفروض أن يخضع خطاب إثارة الانتباه بهدف الحصول على الامتيازات لضوابط معينة يحددها القانون، لكي لا ينزلق مجتمع -يدمن الانتهازية بطبعه- في تهافته على الامتيازات نحو هاوية سحيقة.
منذ أكثر من عقد ونصف، سلك خطاب إثارة الانتباه منحًى بالغ الخطورة، وقد استطاع أصحابه أن يحيطوا أنفسهم بحماية وهمية تحت يافطة حرية التعبير أحيانًا، والحقوقية في الكثير من الأحيان.
المشكلة أن هذا الصنف، الذي يعتمد البذاءة والتجريح سبيلًا إلى لفت الانتباه، منح أصحابه امتيازات كثيرة، وصار مصدر دخل مهمًا، بل إنه وفر ثروات طائلة بعد أن شرعن أدواته من خلال عقلية المجتمع، بهدف التهرب من القانون. لذلك أصبح رواده يوصفون بالزعماء، وهكذا عرف إقبالًا من قبل بعض الانتهازيين الأقل تعليمًا، بحكم قدرته الخارقة على حرق المسافات.
وليس الهجوم، من قبل نواب في البرلمان، بأسلوب بذيء على رئيس الجمهورية سوى نتيجة طبيعية لشرعنة منح الامتيازات على أساس الإساءة.
وفي الإطار نفسه، يأتي الاعتداء اللفظي على ضابط سامٍ في مكان عمله بالمستشفى العسكري من قبل أصحاب النفوذ الجديد القائم على لفت الانتباه عبر التفنن في الإساءة.
الخطر هنا يكمن في التراجع المخيف لسيادة دولة القانون أمام هذا المد المتزايد لهذه الظاهرة، ظاهرة لفت الانتباه باستخدام مفردات جارحة. ويبدو أن الامتيازات الممنوحة لأصحابها مكّنتهم من التموضع في مفاصل صناعة القرار، سواء من خلال الإعلام أو عبر أكبر مؤسسة تشريعية في البلد. ما يعني أن هذا الخلل العميق أصبح ينتج نفسه من خلال الامتيازات المغرية، وهو ما يشجع الكثيرين على الالتحاق بركب تسويق إثارة الانتباه السياسي من خلال الشتائم والتجريح.
الدولة الموريتانية اليوم مطالبة بوضع حد، وبسرعة، لهذا النمط من الامتيازات قبل أن يغيب مفهومها كليًا في العقل الجمعي، وذلك بواسطة استراتيجية واضحة لضبط الامتيازات واحتكارها.
بيد أن أي توجه جاد بهذا الصدد يستوجب تحديد نوعية الخطاب السياسي المسموح به، فلا يعقل أن يكون تحطيم مقومات الدولة جزءًا أساسيًا من الخطاب السياسي المتداول فيها.
وعلى هذا الأساس، يحتاج المشرع، في نظري، إلى أن يُلزم جميع المترشحين للمناصب الانتخابية، لاسيما البرلمانية منها، بأن تخلو حساباتهم الافتراضية تمامًا من ارتكاب جرائم سيبرانية تتعلق بنشر أو مشاركة أو الإعجاب بخطاب عنصري أو تحريضي يدعو صراحة إلى المساس بأركان الدولة ويهدد لحمة المجتمع.. وإلا سنكون أمام متحور جديد من هذه البذاءة يدافع عن روادها بالوكالة.
د. أمم ولد عبد الله



.jpeg)

.jpeg)