
العلاقات بين الدول ليست يوميات أفراد يشغلون وقت فراغهم بالعنتريات والتحدي. لا ينطبق عليها مبدأ التحدي وروح "الفيش"، و"نشرب إن وردنا الماء صفوا -- ويشرب غيرنا كدرا وطينا". في زمن الدولة القطرية مرسومة الحدود، لا توجد بدائل للوطن الجغرافي؛ ليس الأمر على نحو تنقل البدو انتجاعا للمراعي، فيترك شعب دولته لمكان آخر جديد بمجرد أن تنهار دولته؛ الجغرافية القطرية في زمن الدولة، قيد وجودي يتطلب تسييرا محكما حكيما.
لذلك، من المهم أن نعي قطعية الحتمية في التعايش بين الجيران، وأنه الهدف الأمثل ابتغاؤه والأفق الممكِّن من الاستمرار. لا يعني ذلك الاستسلام لحتمية وجود مقابل التنازل عن شروط سيادة، لكن إدارة تلك المعادلة تنتمي لمستوى السياسة والاستراتيجيا وليست من مسائل الجمهور والتصرفات الشخصية. الاستفزازات تصرف مرفوض لكن إدارتها شأن سيادي
موريتانيا ومالي رتق تاريخي-جغرافي-ثقافي-إثني معقد، وحتمية التعايش بينهما ضمن جغرافية المنطقة وميراث الحدود الاستعمارية، حقيقة مكبلة لكل ذي عقل سوي.
فكرة الحرب نفسها ليست تسلية ذهنية لمزاج شخصي، ليست الحرب بين الدول مرادفة ل"الديكَات" بين الأفراد والمجموعات القبلية في نطاق ضيق. لا مجال للفانتازيا فيها ولا لفاغو لكحل إنشادا على أديم مفروش بالأشلاء: في الحرب، لا تسير الأمور وفق المتصور المثالي، تُستسهلك الشعوب في معارك و"بطولات" هي من باب الإكراهات لا الخيارات، منهكة جدا، في الحرب تتوقف التنمية وتتكبد الشعوب عقودا من الفقد واليتم وانتهاك الحرمات وتبديد الموارد وتدخل الأعداء الخارجيين، وتتراكم الأحقاد وملاحق الثأر لتضمن خط إعادة إنتاج للمأساة. الحرب ما لم تكن لاقتلاع استعمار واستيطان متعدلا يترك مجالا، ينبغي تفاديها.
العالم اليوم لا يقبل بالانشغال في الحروب لأن ذلك يرادف الدمار والتعطل، وأغلب الحروب اليوم حروب قوى عظمى خارج أراضيها، أو حروب مفتعلة في أماكن يطمع آخرون في استنزاف ثرواتها ومنع شعوبها من إدارة مواردها (محل الشاهد: الغاز، الذهب واليورانيوم، والتحكم في منطقة الساحل الغنية).
تأملوا القارة الإفريقة: معمل العالم لاختبار الأسلحة وجمع الموارد. كل الحروب بين الجيران استنفدت طرفيْها أو تطور بعضها نحو إبادة جماعية عبر قناة الإثنية والعرقية.
هذه القارة أريد لها أصلا أن تبقى مظنة اقتتال منذ خطط لذلك الاستعمار لضمان بقائه بعد الخروج من الاستعمار المباشر. يقول الملك الحسن الثاني رحمه الله إن إفريقيا رُسمت أغلب حدودها بالمسطرة والزوايا الإقليدية الحادة أحيانا تعمدا من جانب الأوروبيين لإبقاء قوميات إفريقا وقبائلها مشتتة بين حدود قطرية متنوعة، حتى يكون إشعال الفتنة بينها ممكنا لاحقا.
لذلك فمعادلة التعايش هي التحدي في القارة، وعلى أنظمة حكمها ونخبها عبء تحمل تلك المسؤولية التي ما تُركت للأمزجة والولاءات الفرعية إلا وانفجرت الأوضاع.
أوروبا، رغم كونها أرض أبشع الحروب والنزاعات والقوميات، أخذت منعطفا منذ نهاية الحرب العالمية نحو مقاربة التعايش والتنمية المشتركة فجعلت قناة الاقتصاد مدخلا للسلم الأهلي القاري في مفارقة كبرى: الألمان الذين جاسوا خلال الديار الفرنجية صاروا مع الفرنسيين في نواة ستتطور تراكميا لتشكيل أكبر اتحاد اقتصادي سياسي دفاعي مشترك في العالم!
إشغال الشعوب بالتنمية بدل إشغالها بالنعرات والفانتازيا التاريخية، بل تجاهل التاريخ أحيانا لبناء حاضر الواقع الذي لا يكون غالبا خيار رفاه بل مسعى ترميم ويناء
ولنتأمل مثالا فارقا: على الجانب الآخر من المتوسطي، بدأت جامعة الدول العربية قبل الاتحاد الأوروبي بزمن، لكنها لم تفلح في أبسط مقومات الوحدة والتعايش: لأنها اكتفت بالشعارات وتجاهلت مداخل التعايش عبر نبذ النعرات والسعي للتنمية والتحلي بروح السياسة التي تعني التنازل لأجل التعايش والعمل على إشغال الشعوب بمشتركات التنمية بدل نعرات داحس والغبراء .. صحيح أن تعثر التجارب جنوبا للأوروبي يد فيه منذ سايكس-بيكو، لكن ثمة أيضا ما هو داخلي محلي سلبي متعلق بشعوب المنطقة وطرق حكمها وحكامتها وثقافة التعايش بينها عبر الحدود القطرية
إن موريتانيا ومالي بلدان في رتق جغرافي ثقافي إذني واحد، له إيجابيات كثيرة وعوامل تكثيف للمشترك: دين واحد، ثروات معتبرة، تكامل في خانة المزايا النسبية. وأي توجه لإشغال شعبيهما بالنزاعات هو مسعى تخريبي ينبغي على كل العقلاء تفاديه، وفي الحكمة والواقعية مندوحة. ذلك أن تفاصيل ترسيم الحدود وتنظيم الانتجاع وترتيب أطر التفاهم ومواجهة التنظيمات المسلحة، ذلك يتطلب بحثا وتفكيكا للألغام التي تتشكل عبر الزمن وتذكيها نزعات شطح لدى بعض من يتولون الأمور وتنفخ فيها نخب إعلامية تشبه البكتريا التي لا تنمو إلا في ظرف احتقان وعفن.
يا ويلتى، أعجزنا أن نكون مثل شعوب أهلك بعضها البعض في حروب استمر بعضها قرونا (أوروبا مثلا). طبعا، دون تجاهل الاختلاف في الحالتين من وعي الشعوب وتطور مسارات التنظيم والحكم.
مالي دولة حبيسة وموريتانيا بوابة أطلسية قريبة، موريتانيا دولة تنمية حيوانية تحتاج للانتجاع في السعة المالية شرقا، وشعبا البلدين طوافان بعضهم على بعض في الاتجاهين منذ زمن بعيد ومساحة التفاهم والود بينهما أوسع نطاقا وأعمق تراكما، فهما بذلك دولتان متكاملتنان في مستوى المعطيات الأساسية ولديهما كوامن تنمية مشتركة أعمق وأقرب موردا فيما لو اهتما بذلك، فأضعف الإيمان أن يبقى التعايش ما دام التعاون المثمر معطلا إلى حين!
فلمَ النزوع إلى التأزيم والفانتازيا وإيهام شعبين يعانيان الأمر من الفساد والتخلف والفقر ونهب الثروات، بالدخول في عدائية بروح ماء كليب وحماس عمرو بن كلثوم وصيدح البسوس!
على الإخوة الماليين المشغولين للأسف بهموم داخلية كثيرة - نرجو تسويتها فسلامهم الداخلي جزء من عافيتنا في الجوار - أن يضبطوا البوصلة وأن موريتانيا - بواقع الحال لا مزاعم النعت - لم تسع فيما يخل بأمنهم بل احتضنت اللاجئين وتغاضت عن الاستفزاز وامتصت غرائب المواقف في انتفاء رد الجميل لمسعاها في خضم تصرفات دول المنطقة حين همت بحصار مالي وشذت موريتانيا عن ذلك واستقبلت وفدا شم نسيم البوابة الأطلسية في ميناء الصداقة حيث يصل رشح الهواء من لدن الساحل الشرقي لجمهورية الدومينيكان حتى الساحل الإفريقي في "السبخة". ميناء الصداقة الذي لو أنصف الماليون عقولهم لسعوا لجعله بوابتهم القريبة للتجارة ورئة لاقتصادهم المعاني من ربو الدولة الحبيسة في جغرافيا صماء عنيدة
وليعوا أن فرنسا التي طردت من مالي ستعمل على مسار العودة عبر بوابة تعقيد المشهد، وأن الروس من مرتزقة الفيلق الإفريقي مجرد ضباع مأجورة لا يختلفون في مقياس السوء والخبث عن الفرنسيين إلا كاختلاف الفودكا عن الخمر البوردولية، فهم جنود شركة مقاولة أمنية من شذاذ الآفاق ورأس حرب استكشاف في مهة مصلحة للدب الروسي المهتم بالمنطقة لثرواتها وكونها صارت مسرحا لمشاكسة الأمريكيين والأوروبيين
وعلى موريتانيا الدولة والسلطة الاستمرار في إدارة التفاصيل على الحدود بمنطق حتمية التعايش على طرفيها واستحضار أن الل اعشاه امعاك فكدح لا اتخلليه إدفكُ
أما جمهور الفيسبوك من الطرفين، فلا بأس أن يعلموا أن التوتر بين الجيران ليس مباراة في البرنابيو، ولا سباق خيل اولاد امبارك على عزف نعمة إيقاعية إفريقية النوتة.
وللمغرضين من حملة لواء الفانتازيا العدائية والبطولات الدوكشينتوية في مدونات مالي بالعربية: لا تكونوا كالراقص على السلم؛ فقراؤكم من مالي قليل لعامل اللغة، وقراؤكم من موريتانيا سيغدقون عليكم من بعض ما عندكم من الحماس والطيش والعنتريات، فلا تكونوا أراجوز الجبهة المحرض، فالحرب ليست سيركا يقوده "بيلياتشو" رُسمت على أنفه حبة طماطم ويلبس درع الاسكندر ويعرض بضاعة سيركه في بازار خوارزمية مارك التي تجعل الشتم والثناء سواء؛ في تنشيط الصفحات التي لو لم تزخر بالكلام المغرض لما علم بها ذئب ولاتة رغم دنوه من حدود كاتبها!



.jpeg)

.jpeg)