التوتر مع مالي: أزمة في العقل السياسي لا في الحدود

لا يمكن تفسير حالة التوتر بيننا وبين مالي دون الرجوع إلى بنية العقل السياسي للدولة الموريتانية. ففي العمق، هناك فكرة غير مكتوبة، لكنها شديدة التأثير، وهي أن أي نظام غرب إفريقي يخرج عن المدار الفرنسي هو نظام غير مستقر بطبيعته؛ فهو متهور وقابل للانفجار، أي إنه – كما قال أحدهم – مثل الفرس الجامح، يمكن أن يؤذي نفسه ويؤذي من حوله. هذه، مبدئيًا، هي الرؤية الجوهرية التي تحدد الموقف من النظام المالي الحالي؛ فهو نظام مختلف وغير مطمئن، وبالتالي يجب الحذر منه.

 

غير أن الباحث عن الأسباب الجوهرية للتوتر بين البلدين لا يجد شيئًا يركن إليه لتبرير هذا التأزم؛ فليس هناك نزاع حدودي، ولا صدام، ولا حتى رغبة متبادلة في الإيذاء، وهو ما يؤكد أن أصل الإشكال لا يكمن في مالي نفسها، بل في بنية العقل السياسي الموريتاني، وفي العدسة التي نرى بها مالي اليوم.

 

هذه ليست، بطبيعة الحال، نظرية سياسية معلنة وصريحة، لكنها محدد رئيسي وراسخ تشكّل من تجارب مرت بها الدولة الموريتانية في لحظات بناء عقلها السياسي. وعلى سبيل المثال، لم تكن تجربة ولد هيدالة هي الأولى في هذا السياق، لكنها واضحة في دعم هذا التفسير؛ فقد جاء ولد هيدالة في سياق دولي وإقليمي كان فيه التموضع ضد المنظومة الفرنسية التقليدية يعني، تلقائيًا، الدخول في جو من التوتر والاضطراب. وكما هو معلوم، فقد اتخذ هيدالة مسافة من المظلة الفرنسية، ورفض الانخراط في الآليات الاقتصادية، بما في ذلك سياسات صندوق النقد الدولي، وهو ما عرّضه لحملات تضييق وخنق اقتصادي قادت إلى جو من التوتر وعدم الاستقرار، لم ينتهِ إلا بعد الإطاحة به في ديسمبر 1984 بدعم وتوجيه من فرنسا. ثم بعد ذلك عاد الاطمئنان والاستقرار.

 

من هنا بدأت القاعدة تأخذ حيزها الذهني، وهي تقول إن الاستقرار مرتبط ضمنيًا بالانسجام مع فرنسا، وأن الابتعاد عنها مخاطرة، وبالتالي نقص في مستوى المصداقية والقدرة على الاستمرار.

 

ثم ترسخت القاعدة أكثر مع ظهور ولد عبد العزيز؛ فرغم خطابه السيادي الموجه للشعب، إلا أنه لم يقتنع بفكرة الابتعاد عن فرنسا، وكان الاتفاق الذي أبرمه معها سنة 2008 بمثابة ورقة خروج من منطقة التوتر، التي فتحت له أفق المصداقية والقبول.

 

لقد تكرست في بلادنا فكرة واضحة، وهي أن الوطنية والشرعية السيادية لا تكفيان، وأن الاعتراف الخارجي، وخاصة الفرنسي – الذي يمثل مدخلًا إلى الخارج – هو عنصر غير معلن في معادلة الاستقرار.

 

ومن داخل هذا الإطار الذهني ننظر اليوم إلى مالي وبوركينا فاسو والنيجر؛ فهذه كلها، في نظرنا، دول متهورة ومضطربة، ونحن من بينها نقف ثابتين، أو كما يصفنا الاتحاد الأوروبي: “واحة استقرار”.

 

مع أن الاضطراب قد يعني مخاضًا، والاستقرار قد يعكس ركودًا؛ وهذا كله محل نقاش. لكن المؤكد أن دولًا تأخذ زمام أمورها بيدها، وتبني قواعد نموها باستقلالية، وتتسلح على هواها، ربما تكون في وضع أفضل من بلد آخر يعود إليه صندوق النقد الدولي بنفس تعليمات التسعينيات، بل أكثر من ذلك، بنفس الأشخاص الذين كانوا يطبقون تلك التعليمات

أربعاء, 15/04/2026 - 17:57