حين تلتقي هيبة الدولة بضمانات النيابة البرلمانية

تكشف القضايا التي تمس مقام الرئاسة وتنتهي إلى توقيف أعضاء في البرلمان عن طبقة أعمق من معناها السياسي المباشر، لأن أثرها يتجاوز العبارات المنسوبة وردود الفعل التي تثيرها إلى مساءلة التوازن نفسه بين حماية الدولة وضمانات النظام الدستوري. فهي تضع الدولة، في لحظة واحدة، أمام اختبارين متلازمين، أحدهما يتصل بقدرتها على صيانة هيبتها ورمزيتها المؤسسية، والآخر يتصل بمدى وفائها للحدود التي رسمها الدستور لاستعمال السلطة الجزائية حين يكون الأمر متعلقا بوظيفة نيابية مشمولة بحماية خاصة.ومن هذه الزاوية يكتسب توقيف برلمانيتين على خلفية تصريحات منسوبة إليهما معنى يتجاوز طبيعته الجزائية المباشرة، ذلك أن المسألة تمس، في آن واحد، مقام رئيس الجمهورية من جهة، وموقعا دستوريا نوعيا تشغله المعنيتان داخل المؤسسة التشريعية من جهة أخرى. 

ولهذا السبب تحديدا ينبغي أن ينطلق التحليل من فهم صحيح لطبيعة الحصانة البرلمانية وموقعها في البناء الدستوري. فالسؤال حين تتم صياغته على نحو يوحي بأن الحصانة تحمي النائب من القانون يجر النقاش منذ بدايته إلى أرضية مضللة، لأنه يفترض علاقة تعارض بين الحصانة والخضوع للقانون، مع أن المسألة أدق من ذلك بكثير. فالحصانة، في النظم الدستورية الحديثة، ترتبط بوظيفة النيابة أكثر مما ترتبط بشخص النائب، وتستند إلى فكرة حماية استقلال البرلمان وصون التمثيل الشعبي من أن يتأثر باستعمال متسرع أو منحرف للأداة الجزائية. 

ومن هنا حرص الفكر الدستوري والفقه المقارن على التمييز بين مستويين مختلفين، أحدهما يتعلق بعدم المسؤولية عن الآراء والأصوات التي تصدر في إطار أداء المهام النيابية، والآخر يتعلق بحماية إجرائية تنظم بعض صور المتابعة أو التوقيف أثناء الدورات وخارجها من غير أن تمحو، في الأصل، إمكان المساءلة. وهذه التفرقة هي المفتاح الذي تتوقف عليه القراءة السليمة للمسألة كلها، لأن معنى الحصانة يتحدد بحسب الزاوية التي تنظر منها إليها. فإذا ما أدرجت في خانة الامتياز الشخصي بدت ثقلا على مبدأ المساواة أمام القانون، أما إذا ما وضعت في موضعها الدستوري الصحيح فستظهر بوصفها جزءا من الضمانات التي تحمي بنية التمثيل السياسي وتؤمن التوازن بين السلطات.

ويحسم دستور 20 يوليو 1991 هذا الجانب على مستوى المبدأ بصياغة واضحة، فهو يقرر أن عضو البرلمان لا تجوز متابعته أو توقيفه أثناء الدورات في المواد الجنائية والجنحية إلا بإذن من الجمعية الوطنية، ثم يورد حالة التلبس باعتبارها استثناء صريحا على هذه القاعدة. وبهذا يكون النص الدستوري قد أقام توازنا دقيقا بين حماية الوظيفة النيابية وإتاحة منفذ استثنائي للعدالة في ظروف مخصوصة. غير أن الأهمية الحقيقية لهذا التوازن لا تتحدد بمجرد وروده في النص، وإنما تتوقف على الكيفية التي يفسر بها هذا الاستثناء عند التطبيق. فالمسألة لا تثير إشكالا من حيث أصل وجود الاستثناء، لأن الاعتراف به ينسجم مع منطق الدستور ذاته، وإنما تثيره من حيث حدوده ومعاييره ومجال انضباطه. فمتى ما بقي التلبس مفهوما مضبوطا بظروفه الدقيقة، ظل الاستثناء محافظا على وظيفته ومتناغما مع القاعدة التي ورد عليها. أما إذا تمدد معناه تحت تأثير الرمز أو ضغط الاستياء العام أو شدة الحساسية السياسية، فإن التوازن الذي أراده الدستور يبدأ في الاختلال، ويتحول المنفذ الاستثنائي إلى أداة قابلة للتوسع أكثر مما يحتمله موقعه في البناء الدستوري. وعند هذا المستوى ينتقل النقاش بطبيعته من الحصانة بوصفها قاعدة إلى التلبس بوصفه شرطا استثنائيا يفتح باب الخروج عليها.

 

 

غير أن الدستور، حين ينص على التلبس، يكتفي بتقرير أثره من غير أن يتولى ضبط مضمونه أو بيان عناصره التكوينية. ومن ثم لا يكفي الرجوع إلى النص الدستوري وحده لحسم المسألة، لأن هذا المفهوم يكتسب دقته العملية من القانون الإجرائي الذي يحدد شروطه وحدوده. وفي هذا المستوى يظهر التلبس بوصفه حالة استثنائية ترتبط على نحو وثيق بالفورية الزمنية وبالصلة القريبة جدا بين ارتكاب الفعل وبين لحظة اكتشافه أو تعقبه أو مباشرة المعاينة بشأنه. وبهذا المعنى، فإن التلبس لا يساوي مجرد ثبوت الجريمة، ولا ينسحب على كل واقعة واضحة أو مثيرة أو قابلة للإثبات، وإنما يدل على وضع إجرائي ضيق يبرر التدخل العاجل بحكم أن الفعل يقع في الحال، أو أنه وقع في زمن لصيق، أو أن آثاره المباشرة ما تزال قائمة على نحو يضيق معه مجال التراخي. وتنبع أهمية هذا التحديد من كونه يتجاوز الجانب الفني المحض ليعكس فلسفة قانونية دقيقة في إحاطة الاستثناءات بحدود صارمة. ذلك أن أي اتساع غير منضبط في معنى التلبس يترتب عليه اتساع مماثل في سلطة اللجوء إلى مسطرة استثنائية، وهو ما ينعكس مباشرة على الضمانات التي أقامها القانون صونا للتوازن بين فعالية العدالة واحترام الحماية الدستورية.

ومن هنا يتبين أن جوهر المسألة لا ينصرف، في المقام الأول، إلى مقدار ما تنطوي عليه العبارات المنسوبة إلى البرلمانيتين من إهانة أو تجاوز، على ما لهذا الجانب من وزن في باب التكييف الموضوعي للفعل، وإنما يتجه إلى مسألة أكثر دقة وحسما، هي ما إذا كانت الوقائع قد استوفت فعلا الشروط القانونية التي تجعل من التلبس أساسا صالحا لتفعيل الاستثناء الدستوري. وتكتسب هذه النقطة أهميتها لأن وجود سند قانوني لمتابعة فعل ماس بمقام الرئاسة لا يفضي تلقائيا إلى مشروعية سلوك الطريق الاستثنائي الذي يجاوز شرط الإذن البرلماني. فثمة مسافة قانونية واضحة بين القول بأن الفعل، متى ثبت، يقع تحت طائلة التجريم، وبين القول بأن السلطة تملك أن تباشره في صورة حالة تلبس. في الحالة الأولى يكون النقاش متصلا بأصل المشروعية العقابية، وفي الثانية يكون متصلا بشرعية المسار الإجرائي الذي اختارته الدولة لإنفاذ هذه المشروعية. وعندما يختلط المستويان، ينشأ خطر حقيقي يتمثل في أن يتحول مجرد وجود التجريم إلى مدخل لتوسيع الاستثناء الإجرائي، في حين أن البناء الجنائي الحديث قام، في أحد أهم مرتكزاته، على التمييز الدقيق بين مشروعية العقوبة ومشروعية الطريق المؤدي إليها.

ويزداد الإشكال تعقيدا لأن الوقائع المنسوبة في هذه القضية جرت في الفضاء الرقمي، وهو فضاء أعاد طرح أسئلة دقيقة حول زمن الفعل وحدود امتداده وآثار بقائه قابلا للاسترجاع والمشاهدة. فقد أدخلت السرعة الهائلة في النشر، واتساع التداول، وإمكان حفظ المحتوى وإعادة تداوله، عناصر جديدة أربكت بعض التصورات الكلاسيكية المتصلة ببداية الجريمة ونهايتها وحضورها الزمني. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين صور رقمية مختلفة لا يجوز جمعها في حكم واحد، لأن البث المباشر يختلف في بنيته القانونية عن التسجيل الذي ينشر لاحقا، كما يختلف المحتوى الذي يتلقاه الجمهور في اللحظة الحية عن المحتوى الذي يستمر متاحا للمشاهدة بعد ساعات أو أيام. وفي هذا المستوى تحديدا ينبغي التنبه إلى أن بقاء الأثر الرقمي واستمرار إمكان الوصول إليه لا يعنيان، بذاتهما، بقاء الحالة الجرمية قائمة بالمعنى الإجرائي الذي يتطلبه مفهوم التلبس.

ويجدر النظر إلى هذه التمييزات باعتبارها هي أساس التكييف القانوني السليم. فإذا وقع الفعل في بث مباشر، وكان تدخل السلطة قد تم أثناء ذلك البث أو في زمن شديد القرب منه، أمكن، من حيث التصور القانوني، بحث عنصر الفورية الذي يقوم عليه التلبس. أما إذا تجاوز الأمر لحظة البث الحي، وانتقل المحتوى إلى طور التداول اللاحق أو الحفظ أو الاسترجاع أو المشاهدة المؤجلة، فإن التكييف يقترب أكثر من نطاق جرائم النشر أو الإتاحة أو تداول محتوى منشور، وهي صور تظل قابلة للمتابعة عبر المساطر العادية من غير أن تكتسب تلقائيا وصف التلبس في معناه الضيق. ذلك أن سهولة استحضار الدليل الرقمي، أو إمكان مشاهدة المحتوى في أي وقت، لا تكفي وحدها لإضفاء هذا الوصف على كل واقعة منشورة. ولو ساغ الأخذ بهذا المنطق على إطلاقه، لأصبح الفضاء الرقمي برمته مجالا مفتوحا لتوسيع الاستثناء على حساب القاعدة، ولتراجعت الحدود الدقيقة التي أقامها القانون بين المتابعة العادية والمسطرة الاستثنائية.

ومن هذه الزاوية تحديدا يتكشف البعد الأعمق في هذه القضية في أوضح صوره، فالدولة تتعرض للإختبارأيضا بقدرتها على أن تضبط نفسها في اللحظة التي يكون فيها موضوع الرد متصلا بذاتها أو برمزها الأعلى. وفي لحظات التوتر الرمزي يشتد الميل إلى توسيع مجالات الاستثناء، لأن المساس بالرئاسة يتجاوز في الوعي السياسي حدود الشخص ليصل إلى صورة الدولة ووقارها ووحدة مقامها العام. غير أن الدولة الدستورية تترسخ مكانتها بقدر ما تجعل من خضوعها للقانون عنصرا داخلا في هيبتها، وليس مجرد قيد مفروض عليها من الخارج. فالمهابة التي تقوم على التوسع في الاستثناء تظل مهابة قلقة، لأنها تترك انطباعا بأن صرامة القانون تخف كلما أصبحت الدولة نفسها طرفا مباشرا في النزاع. أما المهابة التي تتأسس على وفاء السلطة للحدود التي ارتضتها لنفسها، حتى في القضايا التي تمس رمزها الأعلى، فإنها تبدو أعمق رسوخا وأبعد أثرا، لأنها تجعل من القانون جزءا من صورة الدولة عن ذاتها ومن وقارها المؤسسي ومن مشروعيتها في نظر المجتمع.

ولهذا يغدو من غير الدقيق النظر إلى هيبة الدولة والضمانات الدستورية كما لو أنهما قيمتان تتحرك كل واحدة منهما في مواجهة الأخرى. فالحصانة البرلمانية، في معناها الدستوري الصحيح، تؤدي وظيفة داخلية في تنظيم السلطة، إذ تصون التوازن بين المؤسسات وتحول دون أن يؤدي التوسع الإجرائي إلى الإخلال بالعلاقات التي أقامها الدستور بينها. كما أن حماية مقام الرئاسة تندرج، من جهتها، ضمن مقتضيات الاحترام المؤسسي الضروري لاستقامة الحياة العامة وانتظامها. ويبدأ الإشكال الحقيقي عندما يختل ميزان هذين الاعتبارين، فيتحول الدفاع عن هيبة الدولة إلى مسوغ للتمدد في الاستثناء، أو يصبح التمسك بالحصانة مدخلا إلى طمس الحدود الفاصلة بين حرية التعبير وبين الأفعال التي يطالها التجريم. أما القراءة القانونية الرصينة فتتجه إلى موضع أدق من هذين الطرفين، حيث يلتقي حق الدولة في الحماية مع التزامها باحترام المسطرة التي تضبط هذه الحماية وتمنحها مشروعيتها.

وعندما يتعلق الأمر بتوقيف برلمانيتين، يكتسب هذا التوازن قدرا أعلى من الحساسية، لأن أثر القرار يتجاوز الواقعة المباشرة إلى ما يمكن أن يتركه من بصمة على المعنى العملي للحصانة البرلمانية في المستقبل. فكل اتساع في تفسير التلبس ضمن هذا السياق لا يقف عند حدود معالجة ظرفية لملف بعينه، بل قد يؤثر في الحدود الفعلية التي تنتظم داخلها العلاقة بين النيابة البرلمانية والسلطة الجزائية، وقد يضيق المساحة التي تحتفظ فيها الحصانة بمضمونها الواقعي بوصفها حماية دستورية فاعلة. ومن ثم فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا لا ينحصر في مدى مشروعية حماية مقام الرئاسة، وإنما يمتد إلى مقدار الدقة التي اعتمدت في إضفاء وصف التلبس على الوقائع على نحو يبرر توقيف برلمانيتين من غير سلوك المسطرة البرلمانية المعتادة. فإذا كان عنصر الفورية قائما على نحو واضح، وكانت شروط الاستثناء قد استكملت في حدودها الدقيقة، أمكن القول إن تدخل الدولة جرى داخل الإطار الذي رسمه الدستور. أما إذا ما كان مفهوم التلبس قد تم تحميله أوسع مما يحتمل، نتيجة الخلط بين البث الحي واستمرار تداول المحتوى، أو بين وضوح الفعل وتحقق الحالة المتلبس بها، فإن المسألة تمتد إلى ما هو أبعد من إجراء بعينه، لتلامس مدى وفاء الدولة، وهي تحمي رمزها، للحدود الدقيقة التي تنظم هذا الحق وتمنحه مشروعيته.

 

وهكذا يمكن القول بأن الدولة تملك، من حيث المبدأ، حقا مشروعا في حماية مقام الرئاسة وهيبتها العامة، كما أن الحصانة البرلمانية لا تنشئ مجالا معفيا من المساءلة، ما دام الدستور نفسه قد أورد حالة التلبس في نطاق الاستثناء. غير أن هذا المعطى لا يكفي وحده لإنهاء النقاش، لأن الشرعية الكاملة في مثل هذه القضايا تتوقف على التحقق الصارم من أن شروط هذا الاستثناء قد توافرت فعلا، وأن توقيف البرلمانيتين جرى داخل الحدود التي يبيحها المفهوم الإجرائي الضيق للتلبس، لا في مناخ اتسع فيه التكييف تحت تأثير حمولة الواقعة الرمزية. وهنا يبرز المعيار الأهم في تقدير قوة الدولة ووقارها المؤسسي. فالدولة تزداد تماسكا حين تخضع نفسها، في القضايا التي تمس رمزها الأعلى، لأقصى درجات الدقة القانونية، لأن الحماية التي تمارس من داخل القانون أرسخ شرعية وأبعد أثرا من الحماية التي تتكئ على تمديد الاستثناء كلما كان المساس متصلا بها مباشرة. وعند هذا المستوى تلتقي صيانةهيبة الدولة بحماية النيابة البرلمانية في معنى واحد أعمق، هو معنى الشرعية الدستورية التي لا تستقيم إلا إذا ظلت السلطة، حتى في أشد لحظات التوتر الرمزي، أمينة للقانون الذي يقرر لها حق الرد ويضبط في الوقت نفسه حدوده.

 

مولاي سيد أحمد

 

سبت, 11/04/2026 - 19:00