
وَمَنْ لَمْ يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ
يُهَدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمْ النَّاسَ يُظْلَمِ
وَمَنْ يَغْتَرِبْ يَحْسَبْ عَدُوًّا صَدِيقَهُ
وَمَنْ لَمْ يُكَرِّمْ نَفْسَهُ لَمْ يُكَرَّمِ
هذان البيتان الخالدان للشاعر زهير بن أبي سلمى يختصران فلسفة أمنية كاملة، سبق بها العربي القديم كثيرًا من التنظيرات المعاصرة في مجال الأمن اليوم، والحوض في الذهنية العربية القديمة يحيل إلى حزمة مضامين لا تقتصر على المياه، بل تشمل العرض والكرامة والثروات، ويقابلها اليوم مفهوم السيادة على المجال الحيوي.
المفارقة هنا أن العربي القديم، الذي عاش في بيئة قاسية، أدرك مبكرًا أن عدم الذود عن الحوض بالسلاح هو بداية الهدم، بينما النظام العربي الرسمي اليوم يعوّل على الغريب البعيد لحماية حوضه؛ كما رأيناه جليًا في تجارب دول الخليج العربي، حيث ارتبط الأمن في هذه البلدان بمظلات خارجية، ورأيناه كذلك أمس في لحظة مكثفة وحزينة، حين ظهر عجز الدولة اللبنانية الرسمية عن أي ردة فعل على العدوان، إلا في ما يخص استغاثة مبحوحة ويائسة بما سماه الرئيس “أصدقاء لبنان”.
لكننا، بالعكس من ذلك، رأينا تجربة إيران وكيف أنها جسدت تجسيدًا حيًّا مبدأ الذود عن الحوض بالسلاح، لأنها دولة بنت تصورها الأمني، كما هو واضح، على قاعدة الاعتماد الذاتي، فخلقت أدوات ردع ذاتية، وجيشت كل شيء، حتى الجغرافيا، وهو ما جعل استهدافها مكلفًا. وكذلك فعلت بالعقيدة، فقد تمكنت من تحويل الإسلام إلى عنوان سيادي ومشروع حضاري مقاوم، إلى جانب المشاريع المقاومة الكبرى كالأوراسية والصينية. إنها قراءة حصيفة وواعية لما يجب أن يكون عليه الأمن الذاتي.
وكما عندنا هنا، (وابدأ بنفسك فانهها، أو لعلنا نختم بها)، فإن الرهان على قوى خارجية مثل فرنسا أو حلف شمال الأطلسي يحمل بكل تأكيد المفارقة ذاتها، إذ كيف يمكن لدولة أن تحمي حوضها بشكل دائم اعتمادًا على إرادة غيرها ومزاجه المتقلب وغير المضمون؟



.jpeg)

.jpeg)