بوادر فشل أمريكي جديد

في مايو 1975، استولت قوة من ثوار الخمير الحمر في كمبوديا على سفينة أمريكية في خليج تايلاند، واحتجزت طاقمها رهائن. وقد شكّلت الحادثة صدمة إضافية للولايات المتحدة، بعد مشاهد هزيمتها في فيتنام، وسقوط سايغون، وما تلا ذلك من انسحاب أمريكي فوضوي ومهين، حيث كانت طائرات الهليكوبتر تنقل الجنود والعائلات خارج فيتنام في مشاهد صدمت الأمريكيين وكسرت كبرياءهم.

 

ولهذا قررت الولايات المتحدة الرد عبر عملية كوماندوس نفذتها قوات بحرية وجوية خاصة، تنزل من الجو على ظهر السفينة المختطفة لاستعادتها، وتحرير طاقمها، والقضاء على الكمبودجيين. وكان ذلك، كما قيل لاحقًا، نوعًا من محاولة استعادة الهيبة وترميم صورة أمريكا، من خلال القيام بعمل عنيف واستعراضي للتعويض النفسي، والتأكيد على قوة الولايات المتحدة الخارقة. لكن العملية أسفرت عن كارثة جديدة، إذ قُتل فيها أكثر من أربعين جنديًا أمريكيًا، وجُرح العشرات. وللمفارقة، تبيّن لاحقًا أن الرهائن لم يكونوا على ظهر السفينة، وأن وسطاء كانوا قد تواصلوا مع الإدارة الأمريكية، وتمت بالفعل عملية تسليمهم، بينما كان الكوماندوس لا يزال منخرطًا في الاشتباك مع الثوار.

 

وهذا النوع من الفشل هو المتوقع، في نظري، في العملية الأمريكية التي يتوعّد بها ترامب بعد انتهاء مهلته الأخيرة. والسبب أن ترامب يواجه ضغطًا نفسيًا وإعلاميًا شبيهًا، كما يواجه ظروفًا قريبة جدًا من ظروف تلك المرحلة، ما قد يدفعه، وبشكل يائس، إلى القيام بعمل استعراضي عنيف بعد إغلاق مضيق هرمز، وظهوره بمظهر العاجز عن فعل أي شيء إزاء ذلك.

 

ثم جاءت، بحسب هذا التصور، حادثة إسقاط إيران للمقاتلة F-15 وعدد آخر من الطائرات، إلى جانب قضية الطيار المفقود الذي لا تستطيع أمريكا، التي يفاخر ترامب بقوتها، إنقاذه أو الوصول إليه. وكلها، في هذا السياق، حوادث تطعن في حقيقة القدرة التقنية للجيش الأمريكي، وتضرب الرمزية العسكرية والهيبة الأمريكية التي يدور حولها معظم خطابه. وكما حدث سنة 1975، فإن المتوقع، تحت كل هذا الضغط النفسي الناجم عن الإحراج والانكسار، هو الإقدام على رد فعل عنيف لاستعادة المصداقية والهيبة، وتأكيد احتكار الردع والتخويف.

 

غير أن التاريخ يبيّن، وعلى امتداد تجاربه، أن التحرك تحت تأثير الغضب والرغبة في التعويض النفسي غالبًا ما يقود إلى خسائر أفدح، وبالتالي إلى مزيد من الإحراج. ويمكن القول، في هذا السياق، إن العملية العسكرية المرتقبة ضد إيران، والتي يهدد ترامب بأنها ستعيدها إلى العصر الحجري، تحمل احتمالًا مرتفعًا للفشل، بل وقد تفضي، وهو الأسوأ، إلى تحويل المنطقة بأسرها إلى كتلة من اللهب

أحد, 05/04/2026 - 13:20