تناقض أوروبا

يبدو أن قادة أوروبا، سواء في المملكة المتحدة أو فرنسا أو إسبانيا، قد استعادوا فجأة بوصلة أخلاقية كانت مفقودة منذ زمن، فرفضهم لطلب ترامب المساعدة في فتح مضيق هرمز، وتأكيدهم أن هذه ليست حربهم، قد يعكس في نظر البعض صحوة ضمير مطلوبة، حتى وإن جاءت متأخرة، وبالتالي شجاعة في الرجوع إلى الحق. غير أن هذا التصور، رغم جاذبيته الإعلامية، لا يصمد أمام أي قراءة جادة لتحليل حقائق القوة، ولا حتى أمام السيرة الذاتية لأوروبا؛ فما حدث ببساطة هو أن أوروبا وجدت نفسها مرتبكة وخائفة أمام حرب حقيقية لها كلفتها وخسائرها الباهظة، في وقت تعيش فيه انقسامًا داخليًا غير مسبوق، فلذلك اختارت لغة القانون والشرعية والأخلاق بديلًا عن لغة القوة التي لم تعد قادرة على استخدامها كما هو معتاد.

 

فأوروبا تاريخيًا، والغرب بمجمله، لم يتحركا وفق هذه المقاييس إلا فيما ندر، والشواهد كثيرة والملفات زاخرة، من رواندا إلى العراق إلى ليبيا، وصولًا إلى غزة، حيث ارتُكبت إبادة جماعية مكتملة الأركان بمشاركتهم ودعمهم العلني الملموس. لم تقل دولة أوروبية واحدة: هذه ليست حربنا، بل اعتبرتها جميعها “حروبها”، مع أنه لم تُغلق في أي منها معابر تزود صناعاتها بالطاقة، ولم تتناثر شظايا الصواريخ في عواصم حلفائها، ولا حتى بعض أعضاء منظومتها، كما هو حاصل الآن. تلك الحروب السهلة كانت حروبهم المشروعة، لأن الخطر فيها شبه معدوم والمكاسب فيها جمة، أما هذه الحرب فهي ليست حربهم لأنها خطرة، والمكاسب فيها، كما يبدو، غير مؤكدة. فخلف إيران تقف الجغرافيا والتاريخ، فضلًا عن قوتين اقتصاديتين وعسكريتين عاتيتين هما الصين وروسيا. إنها قضية عجز إذن، وليست قضية موقف ومبدأ.

 

غير أن هذا الرفض أيضًا لا يعني انسحابًا أو حيادًا واضحًا. فالشر لا يختفي حين يعجز، بل يغير شكل حضوره، وأوروبا، فيما يبدو، فتحت جبهة خفية ضد إيران من خلال توظيف فلاديمير زيلينسكي، الذي يقوم بإرسال خبراء أوكرانيين في أنظمة المسيّرات إلى بعض دول الخليج. والمفارقة أن أوكرانيا، التي تعتمد بشكل كلي على أوروبا في مواردها العسكرية، والمهددة بهجوم روسي بري مرتقب، يتم إدخالها في المعادلة تمامًا كما حدث في منطقة الساحل بإملاء من الأوروبيين، لأن أوروبا حين تدرك أنها لا تملك ضمانات الحسم، لا تخرج من المعادلة، بل تبحث عن مسار التفافي آخر أقل كلفة وأكثر مرونة. ولا يمكن فهم حركة فلوديمير زيلينسكي وظهوره العلني في بعض دول الخليج في هذه الفترة إلا في هذا السياق الأوروبي، وهو ما يبرهن على أن ما يُنظر إليه كموقف متميز لأوروبا من حرب ترامب ونتنياهو ليس سوى مظهر للعجز يُصاغ في شكل خطاب أخلاقي، بينما اللعبة نفسها مستمرة.

 

في هذه النقطة بالذات يتكشف التناقض الأوروبي. فنفس الدول التي تتحدث عن خفض التصعيد ووقف الحرب غير المشروعة، لا تجد حرجًا في السعي إلى نشر أدوات الحرب وخبراتها في بيئات أخرى، عبر نقل تقنيات التأزيم والتصعيد التي تم تطويرها في المسرح الأوكراني، للحفاظ على الحضور والتأثير رغم ما يُعلن من مواقف سلمية.

 

بهذا المعنى، لا يكون الرفض الأوروبي للحرب تعبيرًا عن موقف مبدئي كما يتوهم البعض، بقدر ما هو تعبير عن سلوك ثابت وقاعدة راسخة؛ فحين لا تستطيع القوى الغربية فرض رؤيتها وتحقيق أحلامها، لا تنسحب بشكل نهائي، بل تعيد تموضعها لتبقى داخل اللعبة، في انتظار أن تلوح فرصة أو تظهر إشارة على وهن الخصم لتنقض عليه كعادتها. وقديمًا قيل: يموت المرء على ما عاش عليه.

خميس, 02/04/2026 - 10:37