
تقف دول الخليج العربي والاتحاد الأوروبي عند منعطف مفصلي حاسم، ويبدو مما يجري اليوم أن ما كنا نراه من مظاهر الاستقرار والرفاه في هذين الفضاءين إنما يحجب خلفه بنية عميقة من الهشاشة.
فالاتحاد الأوروبي ودول الخليج العربية، على اختلاف تاريخهما ومواردهما ككتلتين، يعيشان مفارقة لافتة؛ فائض في جانب، يقابله عجز بنيوي في جانب آخر، واعتماد كلي من الناحية الأمنية على قوة خارجية بعيدة، هي الولايات المتحدة الأمريكية.
فبالنسبة لأوروبا، نجد كتلة اقتصادية وصناعية كبيرة، لكنها تفتقر إلى الطاقة، وهو ما يجعلها في حالة ارتهان مستمر لمصادر خارجية.
لقد تحول هذا النقص من معطى اقتصادي إلى محدد استراتيجي، خاصة في ظل التوتر مع روسيا، التي تمثل أقرب وأرخص مصدر للطاقة بالنسبة للاتحاد، كما أنها في الآن نفسه أكبر تهديد متخيل له، ومن هنا نشأت المعضلة التي ربما تكون هي جوهر المأساة؛ القرب الجغرافي يفرض التعاون، بينما التصور الأمني يستدعي القطيعة.
أما في الخليج، فالصورة معكوسة شكليًا لكنها متشابهة جوهريًا؛ فهذه دول تمتلك فائضًا هائلًا من الطاقة، لكنها تفتقر إلى التجذر الاقتصادي والضمانات الطبيعية للصمود، وهي الأخرى تعتمد في أمنها على نفس الطرف الخارجي، أي الولايات المتحدة، كحامية من التهديد القائم في الخيال السياسي المتمثل في إيران.
المفارقة الكبرى هنا أن الطرفين – أوروبا والخليج – يواجهان نفس الإشكال البنيوي، المتمثل في رفض التكيف مع الجغرافيا، فبدل بناء توازنات إقليمية قائمة على القرب والتداخل، يتم استدعاء قوة بعيدة لضبط العلاقة مع الجار القريب، روسيا بالنسبة لأوروبا، وإيران بالنسبة لدول الخليج. إن هذا النمط من الاستدعاء قد يوفر استقرارًا مؤقتًا، لكنه يراكم مع الزمن هشاشة مركبة؛ هشاشة الارتباط بالبعيد، وهشاشة القطيعة مع المحيط الطبيعي.
ولو نظرنا إلى المسألة من زاوية بناء آليات الصمود، لوجدنا أن الجغرافيا ليست مجرد حدود أو موارد، بل نظام إكراهات وفرص في آن واحد؛ فأوروبا لا يمكنها أن تستمر في تصور روسيا كتهديد دون أن تدفع ثمن ذلك طاقويًا واستراتيجيًا، ودول الخليج لا يمكنها أن تبني أمنها وتصوغ استراتيجياتها بناء على تجاهل أو شيطنة إيران دون أن تقع في فخ الارتهان للتوازنات الخارجية المتقلبة والمتناقضة.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمات عابرة، بل لحظة اختبار مصيري لمدى قدرة هذه الدول على استعادة بوصلة توجهها؛ فالعالم يتجه نحو تعددية قطبية واضحة، ولن تكون هناك قوة واحدة قادرة على ضمان الأمن لطرف آخر إلا في حدود ضيقة وبشكل مؤقت، وبالتالي يصبح التكيف مع الجغرافيا هو الخيار الأمثل والشرط الرئيسي للبقاء.
لقد عاشت دول الخليج اليوم تجربة القصف واختبار صوت السلاح، ولو بشكل محدود، لكنها تجربة مهمة للدفع نحو مراجعة الحسابات وتصحيح الأخطاء، وليس هناك من شك في أن التصالح مع إيران مستقبلًا، في إطار بنية أو تسوية ما، سيكون خيارًا عقلانيًا مطروحًا. أما أوروبا فإنها لم تعش بعد تلك التجربة، بل ربما أنستها عقود متتابعة من الرفاهية والاستقرار معنى ذلك، وبالتالي قد لا تكون أزمة العجز في الطاقة التي تواجهها اليوم، ولا حتى تهديدات ترامب بوقف تمويل الناتو وضم غرينلاند، كافية لدفعها لمراجعة حساباتها المرتبطة بعلاقتها بروسيا.
وباختصار، فإن السؤال الكبير الذي يواجه الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اليوم ليس: كيف نواجه تهديد الجار، على اعتبار أنه تهديد حقيقي، بل كيف نبني العلاقة معه خارج منطق الشيطنة والتهديد؛ لأن الاستقرار الحقيقي لا يُستورد من الخارج، بل يُبنى من الداخل، عبر مصالحة عميقة مع الجغرافيا التي لا يمكن الهروب منها.
وأخيرًا، من مفارقات اللحظة الراهنة أن أزمة هذين الفضاءين، التي أظهرت الأحداث جانبًا من هشاشتهما، قد تتسبب أيضًا في زعزعة روابطهما ببلدان أخرى أقل حضورًا في الساحة الدولية. فنحن، على سبيل المثال، دأبنا على بناء تصوراتنا الاستراتيجية انطلاقًا من مصالح مرهونة بالعلاقة مع الاتحاد الأوروبي ودول الخليج، في عزوف وانسلاخ شبه كامل من محيطنا الطبيعي في منطقة الساحل وغرب إفريقيا؛ والحال أن ما تكشفه التحولات الجارية أمامنا هو أن الجغرافيا ليست خيارًا أو ترفًا يمكن إلغاؤه أو تجاهله، بل هي قدرٌ لا بد من الاعتراف به، والتكيف معه، وتحويله من عبء متخيل إلى فرصة كامنة



.jpeg)

.jpeg)