هل نريد دولة قانون وموارد أم دولة استثناءات ونفوذ؟

ليست الأزمات التي تعبر حياة الدول سواء في طبيعتها ولا في دلالتها؛ فبعضها يظل عابرًا يثير قدرًا من الضجيج ثم يخبو، وبعضها يكشف - تحت سطح الحدث - عن شيء أعمق من الوقائع المباشرة، إذ يضع الجماعة السياسية كلها أمام سؤال من الأسئلة المؤسسة التي لا يتعلق بها مصير إجراء بعينه ولا موقع مسؤول بعينه، بل يتحدد على أساسها الاتجاه العام الذي تمضي فيه الدولة والمعنى الذي ستستقر عليه علاقتها بذاتها وبمجتمعها وبمواردها وبقواعدها. ومن هذا الصنف الأخير ما يتكشف اليوم في موريتانيا من جدل محتدم حول الإصلاح والجباية والانضباط الإداري والمالي، لأن ما يبدو، للوهلة الأولى، سجالًا ظرفيًا حول ضرائب ورسوم أو صراعًا محدودًا داخل دوائر السلطة، يخفي في العمق مواجهة أوسع بكثير بين تصورين للدولة، أي بين فلسفتين في الحكم وبين منطقين متعارضين في النظر إلى السلطة والمال العام والقاعدة القانونية وموقع المجتمع من كل ذلك.

 

فالسؤال الحقيقي المطروح على موريتانيا ليس ما إذا كان هذا المسؤول قد بالغ في اندفاعه أو أن خصومه قد بالغوا في استهدافه، ولا ما إذا كانت هذه الخطوة الإجرائية أو تلك قد أحسنت التوقيت أو أساءته، على أهمية هذه التفاصيل في ميزان السياسة اليومية.

 

السؤال الأعمق، والأبقى أثرًا، هو ما إذا كانت موريتانيا تريد حقًا أن تدخل طور الدولة التي تعرف اقتصادها وتضبط مواردها وتقلص المسافة بين النص والواقع، وتبني علاقتها بالمجتمع على قاعدة عامة تسري على الجميع؟ أم أنها ما تزال، في العمق، خاضعة لتوازن خفي يفضل بقاء الأشياء في منطقة رمادية، حيث تبقى القاعدة القانونية موجودة في الخطاب، رخوة في الممارسة، وحيث يستمر الفرق واسعًا بين الدولة كما تستعرض في اللغة الرسمية والدولة كما تعاش في تضاريس الإدارة والاقتصاد والنفوذ.

 

ذلك أن الإصلاح، حين يكون جادًا، لا يصطدم بالمصاعب التقنية وحدها، ولا بعوائق الكفاءة والموارد والإجراءات فقط، لأنه يصطدم قبل ذلك وبعده بالبنى التي نشأت في ظل الاختلال نفسه وتكيفت معه ونسجت داخله مصالحها وأشكال حمايتها. فكل ترهل مؤسسي طويل الأمد لا ينتج فقط ضعفًا في الأداء، وإنما ينتج معه، في الوقت نفسه، نظامًا خفيًا من المنتفعين، بعضهم ظاهر وبعضهم مستتر، بعضهم يربح من بطء الرقابة وبعضهم من ضعف التصنيف وبعضهم من اتساع الفجوة بين القانون وتطبيقه وبعضهم من قابلية القاعدة نفسها للتفاوض أو التأجيل أو الالتفاف. ومن هنا فإن أي محاولة لإعادة إحكام المجال الإداري أو المالي لا يتم فهمها، من قبل هذه الشبكات، إلا بصفتها اقترابًا من المناطق المحرمة التي اعتادت العيش في مأمن من الضبط الكامل، ولذلك تخرج مقاومة الإصلاح في مثل هذه اللحظات في صور متعددة، تتلون أحيانًا بلغة الحرص الاجتماعي وأحيانًا بلغة النقد السياسي وأحيانًا بلغة الأخلاق العامة، بينما يظل جوهرها الأعمق متصلًا بالخوف من أن تتغير شروط اللعبة نفسها.

 

وعند هذا الحد يتعين التمييز بين منطقين لا يجوز الخلط بينهما؛ أولهما منطق الدولة، لا بمعنى تغول السلطة ولا بمعنى التوسع الغاشم في أدوات الإلزام، وإنما بمعنى الدولة التي تسعى إلى أن تكون مرئية لنفسها وعارفة بمحيطها وممسكة بمسارات المال والنشاط، وقادرة على التمييز بين المشروع والمشبوه وبين النظامي وغير النظامي وبين المورد العام والمنافع التي تتخفى في دهاليز الإدارة ومتاهات الاقتصاد غير المصنف. ومنطق الدولة بهذا المعنى لا يكتفي برفع شعار القانون، بل يشتغل على تحويل القانون من نص معلن إلى قاعدة فعالة ويجعل من الرقابة أداة مساواة ومن الجباية أداة انتظام ومن الرقمنة أداة شفافية ومن محاصرة الفساد شرطًا أخلاقيًا لبقاء الدولة محترمة في نظر مجتمعها.

 

وثانيهما منطق الامتياز، وهو لا يعيش - في الغالب - من خرق القانون بصورة فجة فقط، وإنما يعيش أكثر من ذلك من المناطق الوسطى من الغموض، ومن الاستثناءات الصامتة، ومن تفاوت القدرة على الامتثال، ومن اتساع الفجوات بين ما يطالب به البعض وما ينجو منه البعض الآخر، ومن بقاء الدولة قوية بما يكفي لتمنح الشرعية العامة، وضعيفة بما يكفي لكي تظل منافذ التكيف والالتفاف مفتوحة.

 

وهذا المنطق الثاني هو أخطر ما يواجه مسارات الإصلاح في الدول التي لم تحكم بعد بناء قاعدتها المؤسسية على نحو راسخ. لأنه لا يعلن العداء للدولة في العادة، بل قد يتكلم باسمها ويتحدث بلغتها ويرفع هو أيضًا شعارات النظام والانضباط والمصلحة العامة، غير أنه يفضل - في حقيقة الأمر - دولة تفاوضية أكثر منها دولة قاعدة، دولة تسمح بتعدد السرعات في الامتثال وبالتعايش الدائم بين الإلزام والاستثناء، وتحتفظ بهامش واسع تتدخل فيه القرابة والنفوذ والوساطة والتأجيل، بحيث يبقى القانون حاضرًا كمرجعية رمزية، وغائبًا جزئيًا كقوة تنظم المجال العام على نحو متساو. وبهذا المعنى يصبح الصراع بين الإصلاح ومقاوميه صراعًا على تعريف الدولة نفسها، وعلى ما إذا كانت ستظل إطارًا مرنًا يتم استغلاله بحسب مواقع القوة، أم أنها ستتحول تدريجيًا إلى بنية عامة تضيق الخناق على الامتياز الخاص كلما اتسع مداها.

 

ومن هنا أيضًا ينبغي فهم موقع الجباية والتحصيل في هذا السجال. فالضريبة - في الوعي السطحي - تبدو شأنًا ماليًا ضيقًا، لكن حقيقتها أعمق من ذلك بكثير، لأنها تقع في قلب الشرعية السياسية للدولة.

 

فالدولة لا تطلب من المجتمع المال فقط، بل تطلب منه اعترافًا ضمنيًا بأنها تأخذ بحق، وتأخذ بعدل، وتأخذ من أجل غاية عامة وليس من أجل مجرد سد العجز أو إعادة تدوير الخلل. ولذلك فإن التحصيل يخدم الدولة حين يدخل ضمن رؤية أوسع للانتظام والإنصاف، وحين يتوزع العبء على نحو أقرب إلى المساواة، وحين يغلق ما أمكن من منافذ التسرب والتهرب، وحين يقترن تشديده على المجتمع بتشديد مواز على الفساد والهدر والامتيازات غير المشروعة. أما إذا انفصل عن هذه الشروط وانقطع عن البيان وفقد التدرج واتسع في مواضع السهولة الإدارية وبقي مترددًا في مواضع النفوذ، فإنه يتحول - مهما حسنت نواياه - إلى مادة إضافية لتآكل الثقة، بل إلى عنصر قد يضعف الدولة باسم تقويتها.

 

غير أن الخطأ الأكبر في مثل هذه اللحظات هو أن يختزل كل هذا المستوى البنيوي في معركة أشخاص. لأن الشخصنة، مهما بدت جذابة للخطاب اليومي، تخدم في الغالب القوى الأشد مصلحة في حجب المعنى الحقيقي للصراع. فعندما يتحول النقاش من سؤال الدولة إلى سؤال الوزير الأول، ومن سؤال القاعدة إلى سؤال النوايا، ومن سؤال الإصلاح إلى سؤال الصعود والهبوط داخل النظام، تكون البنية القديمة قد ربحت جزءًا مهمًا من المعركة، لأنها نجحت في نقل الأنظار من المبدأ إلى الحامل ومن الاختلال إلى الواجهة ومن بنية الامتياز إلى مشهد التنافس. وهنا يضيع السؤال الذي ينبغي أن يبقى في الصدارة، وهو ما إذا كان البلد مستعدًا فعلًا لحماية أي مسار يروم تقليص المساحات الرمادية، أم أن كل اقتراب جدي من هذه المنطقة سيعاد، كل مرة، إلى لغة الاصطفافات والتصفيات والاتهامات المتبادلة حتى يفقد معناه الوطني؟

 

ولا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن كل ما يرفع شعار الإصلاح يقبل على عواهنه، أو أن كل اعتراض على الجباية أو على بعض السياسات المالية اعتراض صادر عن نفوذ فاسد أو مصلحة معطلة. فالدولة الرشيدة لا تختبر فقط بقدرتها على الطلب، وإنما كذلك بقدرتها على الإقناع، ولا تُقاس فقط بصرامة أدواتها، وإنما أيضًا بعدالة أثرها. وكل إصلاح لا يراعي التدرج ولا يزن قدرة الفئات والقطاعات على التكيف ولا يحسن بيان مقاصده ولا يربط بين ما يؤخذ من المجتمع وما يعود إليه في صورة نتائج ملموسة، يظل إصلاحًا منقوص الشرعية الاجتماعية مهما كانت وجاهته من حيث المبدأ. لكن الفرق يظل كبيرًا بين نقد يريد إصلاح شروط الإصلاح، ونقد يريد إسقاط فكرته من أصلها.

 

والأمم لا تخرج من مناطق الضعف المزمن بالنيات الحسنة ولا بالكلمات المريحة، وإنما تخرج منها حين تنتصر فيها، ولو تدريجيًا، فكرة الدولة على فكرة الشبكة، وفكرة القاعدة العامة على فكرة المنفذ الخاص، وفكرة المورد العمومي على فكرة الغنيمة الموزعة بين الحلقات الأقرب إلى النفوذ. وفي هذا المستوى يصبح السؤال عن المستقبل سؤالًا عن الشجاعة السياسية والفكرية معًا. هل تملك البلاد القدرة على أن تتحمل الكلفة الطبيعية لأي انتقال من الرخاوة إلى الضبط، ومن الرمادية إلى الوضوح، ومن الامتيازات غير المعلنة إلى صرامة المعايير؟ أم أنها ستعود، كما عادت مرات كثيرة في تجارب أخرى، إلى مساكنة الأعطاب نفسها، بعد أن تنجح الشبكات في كل محاولة إصلاح؟

 

إن أخطر ما قد يحدث لبلادنا اليوم ليس أن يشتد الجدل حول سياسة ضريبية أو إدارية، بل أن تضيع على البلد فرصة الانتقال من طور الدولة المتسامحة مع تفاوت الامتثال إلى طور الدولة التي تستعيد هيبة القانون. لأن ضياع هذه الفرصة لا يعني فقط فشل إجراء أو تراجع مسؤول أو انتصار جناح على جناح، وإنما يعني عودة الرسالة القديمة نفسها إلى المجتمع، وهي أن كل اقتراب من مناطق النفوذ قابل للهزيمة، وأن كل مشروع للضبط يمكن إعادة امتصاصه داخل البنية ذاتها التي وضع أصلًا لمراجعتها، وأن القانون سيبقى، في نهاية المطاف، أكثر صرامة على من هم أقل قدرة على الفكاك، وأكثر مرونة عند من راكموا، عبر الزمن، ما يكفي من المناعة ضد أثره الكامل.

 

ولهذا كله - وكما أشرنا في المقال السابق - فإن المرافعة الحقيقية في هذه اللحظة لا ينبغي أن تبنى على الدفاع عن رجل، لأن الرجال يعبرون وتتبدل مواقعهم وتتغير التوازنات من حولهم، بينما تبقى الأسئلة الكبرى التي تتعلق بالدولة أطول عمرًا وأشد أثرًا. المرافعة الأجدر بالبلد هي تلك التي تنحاز إلى المبدأ الذي من دونه لا قيام لدولة حديثة محترمة، وهو أن تكون الدولة قادرة على ضبط اقتصادها وعلى حماية مواردها وعلى محاصرة الفساد الإداري والمالي وعلى تضييق الخناق على الاستثناءات التي تعيش في المناطق الفاصلة بين القانون والنفوذ.

 

والمرافعة الأجدر كذلك هي التي تشترط، في الآن نفسه، أن يتم هذا كله بعدالة وبوضوح في الخطاب وبحسن تقدير للأثر الاجتماعي وبربط دائم بين ما يؤخذ من المجتمع وما يعود إليه من نتائج ملموسة، حتى لا ينقلب الإصلاح، وهو يسعى إلى ترسيخ الشرعية، إلى مادة جديدة من مواد إنهاكها.

 

والخلاصة أن السؤال المطروح على موريتانيا اليوم ليس سؤالًا عن شخص ينبغي أن يبقى أو يرحل، ولا عن معركة داخلية ينبغي أن يرجح فيها هذا الفريق أو ذاك، وإنما هو سؤال عن الوجهة التي يريدها البلد لنفسه. هل نريد دولة قانون وموارد، دولة قاعدة عامة وانضباط ومساواة في تحمل الأعباء ومراقبة للمسارات ومحاسبة للنافذين؟ أم نريد، في العمق، دولة استثناءات ونفوذ، دولة تبقى فيها القاعدة قائمة ما دامت لا تقترب كثيرًا من المناطق الحساسة، ويظل فيها الإصلاح مقبولًا ما دام لا يمس البنية العميقة للامتياز؟ عند هذا المستوى فقط يستعيد النقاش معناه، ويرتفع من ضجيج اللحظة إلى مقامه الحقيقي، مقام الاختيار بين دولتين ممكنتين لموريتانيا، لا بين شخصين، ولا بين جناحين، ولا بين حملتين. وعند هذا المستوى أيضًا يصبح الانحياز إلى الإصلاح انحيازًا إلى إمكان تاريخي نادر، إمكان أن تخرج الدولة - ولو ببطء - من مساكنة الأعطاب إلى بناء دولة المساواة والعدالة.

 

مولاي سيد أحمد

أربعاء, 18/03/2026 - 15:48