
في هذا السوق الموسيقي المشبع بالأضواء والضجيج، كان العروسان يتربعان كتمثالين من خزف في مؤخرة القاعة، معروضين للأنظار، للأحكام، للحسابات، للهمسات. كل شيء في هيئتهما كان أقرب إلى عرضٍ مسرحي.
العريس الشاب، بدراعة مفصّلة بإتقان، وابتسامة مخيطة بالذهب، كان يعلم، خلف بريق أسنانه البيضاء المتحكم فيه، أن هذه الليلة ستكلّفه أشهراً من التقشّف. مهر مثقل بالوعود، قاعة باهظة الثمن، متعهد طعام ذائع الصيت، تبديل أزياء مضبوط كأنه عرض فني، ونظام صوتي صاخب تقوده فنانة كبيرة لإثبات أنه هو أيضاً قادر على إبهار “أناقة نواكشوط”. كان يظن أنه يدفع ثمن الحب، لكنه في الحقيقة كان يدفع ثمن المظهر.
أما العروس فكانت توزّع نظرات متعالية على الصديقات وبنات العمومة اللواتي لم يتزوجن بعد. الهاتف الذي خرج لتوّه من علبته كان يستحوذ على اهتمامها أكثر من أجواء العرس.
فهنا، ليس الاتحاد هو المهم، بل الاستعراض. لا يُزفّ شخصان، بل تُزفّ سمعتان، وعائلتان. الأوراق النقدية المتناثرة تفرش السجاد في صمت، والزغاريد تتعالى في رشقات. المدعوون، بعين حادّة كالنصل، يفحصون قماش البازان، يزنون بريق الحلي، ويتعرّفون على ماركة الأحذية بنظرة واحدة. ساعات مقلّدة كانت قد تعطلت منذ أشهر. الجميع جاء للاحتفال، نعم، لكن أكثر ليقارن ويقيّم ويصنّف. المتباهون يتحركون في سرب أنيق، متوشحين بعطور مستوردة ويقين اجتماعي لا يتزعزع.
ومع ذلك، فمعظمهم قدموا من الأحياء الطرفية. من تلك المناطق التي ينقطع فيها ماء الحنفية بعض الأيام، حيث تفرض انقطاعات الكهرباء جدولها الخاص، وحيث يتعلم المرء مبكراً كيف يتعايش مع النقص. وصلوا عبر تقاسم السيارات، متكدسين في مركبات مستعارة، بضحكات أعلى مما ينبغي لإخفاء المشقة. الأوشحة دارت من بيت إلى بيت قبل أن تبدو جديدة تحت الأضواء. الحقائب ذات العلامات الراقية تنقلت بين الأكتاف لليلة واحدة. والحلي، أحياناً، لم تكن سوى ضيوف صامتين أُعيروا ليبرقوا لساعات.
تحت الأضواء الساطعة، لم يعد يُميَّز الغني من الفقير. لمع قماش البازان بالجرأة نفسها على كل الأكتاف. عطر فاخر يملأ الهواء المكيّف، يمحو رائحة غبار الأزقة التي تُركت خلفهم. ذابت الحدود الاجتماعية في صخب مكبرات الصوت. البؤس بقي خارجاً؛ أما الوهم فقد دُعي إلى طاولة الشرف. يأكل الجميع كما يشاء، وتُنسى سريعاً ليالي الكسكس بمسحوق الحليب.
لكن خلف الابتسامات الموثّقة بآخر صيحات “الآيفون”، كانت حقيقة أخرى تنتظر.
تعارفا خلف شاشات صغيرة مضيئة، عبر رسائل منتقاة، وصور مختارة، وصمت محسوب. صقلت وسائل التواصل زواياهما، ليّنت تناقضاتهما، وزيّنت هشاشتهما. أحبا بعضهما في نسخة مثالية، خالية من انقطاعات الماء والكهرباء، ومن تعب الأيام العادية. خلطا بين الاتصال والمعرفة، بين الحضور الافتراضي والحضور الحقيقي.
احتُفل بقصة افتراضية بوسائل واقعية جداً، واستُثمرت أموال في وعد لا يزال غامضاً. كلف العرس اقتطاعاً من جيوب المحيطين، ثروة لأجل ساعات قليلة من الإبهار، لإقناع نظرات ستنصرف غداً إلى عرس آخر، وزوجين آخرين، واستعراض آخر.
غير أن ما يلوح في الأفق قد يكون أكثر كلفة بكثير:
الاكتشاف البطيء، وأحياناً العنيف، لاثنين كانا غريبين وتزوّجا على عجل. التعلّم بلا فلاتر. الحقيقة العارية لليوميّ.
يمكن استعارة الملابس، واستئجار القاعة، والتظاهر بالثراء، وتعليق الواقع لليلة واحدة.
لكن لا يمكن استعارة معرفة الآخر.
سيد احمد شين



.jpeg)

.jpeg)