رحلةٌ في بلاد الثلوج

في روسيا المترنّحة في سنوات يلتسين، كانت الجامعة أشبهَ بسفينةٍ سكرى تتلاطم بين أفكارٍ تبخّرت وأخرى جديدة لم تُفصَّل بعد على قَدّ معتقدات أصحابها. هناك، باتوا يُدرّسون الدين — أيُّ سخريةٍ أبلغ! — في بلدٍ قضى سبعين عاماً يتظاهر بأنّه لا وجود له أصلاً. كان الدرس يُلقى في قاعة رقص في منزلٍ قديم من بيوت البرجوازية، حيث يفوح عطر الماضي كأثرٍ من إمبراطوريةٍ أرهقها اتساعُها حتى نسيت نفسها.

 

حول الطاولة البيضاوية الكبيرة، تواجهت الإيمانات والشكوك كجيوشٍ مهذّبة. كانت جمهوريةٌ كاملة من القناعات الإنسانية، وكنّا نحن دبلوماسيّيها القلقين.

 

الرفيق ألكسندر، الأستاذ، شيوعيٌّ مخضرم اعتنق تاريخ الأديان في أواخر أيامه بعدما عُطّل عنه تعليمُ الجدل الماركسي، ظلّ متصلّب القامة كما لو أنّ مَن آمن كثيراً لا يستطيع أن يتخلّى كليّاً. بدا وكأنّه يأمل سرّاً أن تمنحه الأرثوذكسية الثقافية للبلاد روايةً بديلة لا تقلّ سطوةً عن رواية الحزب. كان يزن الكلمات كما تُمسَك بقايا أثرٍ مُستعادٍ من متحفٍ موصَد.

 

في الجهة المقابلة جلس فاسيلي، اليهودي الجورجي، أنيقاً في سخريته الجافة، يُطلق المقاطع العبرية بحدّةٍ رقيقة كشعوبٍ نجت مراراً من التاريخ. كان يرى في الإيمان هندسةً حميمية، وفي الوصايا عمارةً أخلاقية، وهي — كما كان يقول — ما تفتقده روسيا التحوّل.

 

أمّا الكاثوليكي الأنغولي، فكان ضحوكاً في الظاهر، متّقداً في العمق، يدافع عن مسيحِ المناطق الحارّة؛ المسيح الذي يعرق ويشفي ويمشي حافياً. الغرب — في رأيه — لم يفهم الصلب قطّ ما لم يَرَه على خلفية الغبار الأحمر وأسلاك العسكر الشائكة.

 

أنا والمغربي، وهما مسلمان كلٌّ على طريقته، كنّا نشرح بلا انقطاع أنّ الصوم ليس عذاباً بل تأديبٌ يجعل الجوع مُفكِّراً. وحين يُثار الجهاد كنا ندرك أنّ روسيا تُطارده كما تُطارِد جرحَ الشيشان الذي لا يريد أحدٌ أن يضمّده. كنّا نتحدّث عن القتال العادل، وعن المجاهدة مع النفس، وعن إعادة الروح إلى ميزانها. 

 

وفي نهاية الطاولة كان البوذي الكالميكي قسطنطين ينظر إلى كلّ ذلك بصبرٍ شفاف. شبّه الكارما بشجرة الفاكهة: «لا يحصد المرء إلا ما دفنه»، قال بصوتٍ لا يسعى لإقناع أحد، ولعلّ هذا سرّ إقناعه. وكانت مونيكا الهندية — الهندوسية — تسانده، تعدّد آلهتها: كالي، وهانومان، وغانيشا، وتذكّرنا بجمال عيد الألوان وحزن محرقة مانكارنيكا غات.

 

لكن الأعجب كان الشامان الإسكيمو، وقد جاء بمنحة يكاد المرء يستبعد حدوثها. قال إنّ الأرواح تهبّ في الثلج كما تهبّ الأنغام في مواسير الأرغن. وإنّ الروحانيّة قبل أن تكون ديناً كانت عهداً مع البرد. وحين سأله الأستاذ إن كان يؤمن بإلهٍ واحد، أجاب ببساطة: «أؤمن بأنّ الشتاء لا يكذب أبداً.»

 

مع مرور الدروس، غدا المقرّر أقلّ أكاديميةً وأكثر شبهاً بحلقة يتبارى فيها العالم بأسره لإثبات أنّ خلاصه قائمٌ على قدميه. حمل كلّ واحد إرثه وجراحه معاً. بعضهم دافع عن عقائد، وبعضهم عن مناظر. أمّا الأكثر غيرةً فلم يتحدّثوا عن نصوصٍ مقدّسة بل عن أمّهاتهم ولغاتهم وطريقة اقتراب الموت في بلادهم.

 

آنذاك فهمتُ أنّ الجامعة السوفييتية المُعاد تدويرها إلى هيكلٍ للتعدديّة لم تكن ترمي إلى هدايتنا بل إلى تجريدنا من أسلحتنا. كانت تُرغمنا على الاعتراف بأنّ الإيمان — أرثوذكسياً كان أو موسوياً أو إسلامياً أو درزياً أو كاثوليكياً أو بوذياً أو شامانياً — لا يقوم إلا على حفنة من الحكايات تُروى بجدّ. غير أنّ قوة إيماننا لم تكن لتُمحى.

 

وفي روسيا الجديدة، الواسعة، المتعبة، الباحثة عن أبجديتها الأخلاقية، كان ثمة شيءٌ روائيٌّ عميق في رؤية شبابٍ من قاراتٍ مختلفة يتحاورون عن الإلهيّ في قاعةٍ باردةٍ أكثر مما ينبغي. ولم نكن نعلم آنذاك أنّنا كنّا نتعلّم الدين الوحيد الذي سينفع لاحقاً: أن نحترم عقائد الآخرين دون أن نتخلّى عن عقيدتنا.

 

بقلم: سيد أحمد شين

جمعة, 23/01/2026 - 16:20