
تضافرت عوامل مختلفة وتطورات متتالية لتدفع ثلاثَ دول في منطقة الساحل الأفريقي، هي مالي والنيجر وبوركينا فاسو، نحو تشكيل تحالف أمني لمواجهة الإرهاب والضغوط الخارجية، ثم ما لبثت هذه الدول أن أعلنت عن إنشاء اتحاد كونفدرالي يرمي إلى إعادة رسم التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة. وعبْر مجموعة من الاتفاقيات والقرارات المشتركة، تحاول بلدان «كونفدرالية تحالف دول الساحل» الثلاث تحقيق التكامل فيما بينها، بما في ذلك إنشاء قوة عسكرية مشتركة لمحاربة الإرهاب، والإعلان عن إقامة اتحاد اقتصادي ونقدي (عملة موحّدة). وبموازاة ذلك أعلنت انسحابَها من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الإيكواس)، ومن «مجموعة دول الساحل الخمس» (G5)، ثم من منظمة الفرانكفونية العالمية. أما نقطة التحول الأخرى، فكانت إنهاء الوجود العسكري الفرنسي على أراضي هذه الدول، لتوثّق - بدلاً عنه - علاقاتِها السياسية والأمنية مع روسيا، المنافس الاستراتيجي لحلف شمال الأطلسي (الناتو). لكن ما الرِّهانات التي تسعى لتحقيقها كونفدرالية تحالف دول الساحل؟ وما العوائق التي تواجه مسارَها التكاملي الاندماجي؟ وقبل هذا وذاك، ما الأسباب التي أفضت بالدول الثلاث إلى تكوين تحالفها الكونفدرالي بعيداً عن الأطر الإقليمية القائمة مثل الإيكواس ومجموعة (G 5)؟ وما حصيلة مسارها في مواجهة التحديات وكسب الرهانات؟
تساؤلات نحاول الإجابة عنها في هذا الملف الصحفي من خلال تتبُّع مسار الأحداث والتطورات التي شهدتها منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة، والعودة إلى بعض التقارير الإقليمية والدولية حول الأوضاع الاقتصادية والأمنية في المنطقة، بما مثّلته هذه الأوضاع من تحديات وما ارتسم في مواجهتها من رهانات، ثم الاستئناس أخيراً بآراء نخبة من الخبراء في قضايا وشؤون الساحل الأفريقي.
سياق ساحلي مشترك
تتشابه بلدان كونفدرالية تحالف دول الساحل في سياقاتها التاريخية والجغرافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية إلى حد كبير، فهي معاً تتشارك حوضَ نهر النيجر ضمن منطقة الساحل الأفريقي التي تمثّل موقعاً انتقالياً بين الصحراء شمالاً ومنطقة السافانا جنوباً. وتاريخياً كانت بلدان هذه المنطقة قد خضعت كلُّها للاستعمار الفرنسي قبل أن تنال استقلالَها عنه في مطلع ستينيات القرن الماضي. ثم أصبحت أعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الإيكواس) عند نشوئها عام 1975، وفي مجموعة دول الساحل الخمس (G 5) لدى تأسيسها عام 2014. وفضلاً عن غلبة الطابع التقليدي، الزراعي الرعوي، على اقتصاداتها معاً، فإن البنيات الديموغرافية (العرقية والقبلية والدينية والعُمرية) لهذه الدول تتشابه وتتقاطع في العديد من القواسم المشتركة، بما في ذلك غلبة الفئات الشبابية ووجود أغلبيات سكانية مسلمة. وقد واجهت دولُ الساحل الثلاث خلال العقدين الأخيرين تحدّياتٍ أمنيةً مشتركةً، على رأسها جماعات التمرّد المسلّح وتنظيمات الإرهاب العابر للحدود. ففي مطلع الألفية الثالثة بدأت مالي تتعرض لقلاقل أمنية، وفي مُستهل العقد الثاني من الألفية شهدت اندلاعَ الحرب ضد الجماعات الانفصالية والتنظيمات الإرهابية، وسرعان ما امتدت التوترات إلى جارتيها الساحليتين النيجر وبوركينا فاسو. وخلال ذلك العِقد عرفتْ الدولُ الثلاثُ تحولاً نحو نظام الحكم المدني التعددي المنتخب، لكن أزماتها الأمنية والتنموية تواصلت بالمنحنى التصاعدي ذاته تقريباً، مما هيّأ الظروفَ لحدوث انقلابات عسكرية أسفرت عن عودة الجيوش فيها إلى واجهة الحكم وسدة السلطة، وكانت البداية من مالي عام 2020، تلتها بوركينا فاسو عام 2022، ثم النيجر عام 2023.
نهاية علاقات تقليدية
تبنّت المجالس العسكرية الحاكمة في دول الساحل الثلاث خطاب النزعة الوطنية الصاعدة في بلدان المنطقة عموماً، حيث بدا أن قطاعات شعبية واسعة لم تعُدْ تعلّق أملاً على اللعبة الديمقراطية أو على النّخب المدنية المنتخبة، في مواجهة ومعالجة التحديات المزمنة، مثل الإرهاب والفقر وهشاشة الاقتصاد والتعسر التنموي. كما أظهرت هذه القطاعات مشاعر سخط ضد فرنسا وأعربت عن ضجر واضح من استمرار التحالف التقليدي مع دولة الاستعمار السابقة، لاسيما مخرجاتِه في المجال الأمني والعسكري. وربما لهذا السبب لم تجد التغييرات التي نفّذتها الجيوش في الدول الثلاث، بما في ذلك تجميد الدستور وحل البرلمان ومنع النشاط الحزبي، أيَّ معارضة داخلية تُذكر. وكذلك الأمر فيما يتعلق بإنهاء التحالف مع فرنسا.
وفي خضم المشاعر الشعبية والتحولات السياسية الجديدة، طلبت «اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب» (المجلس العسكري الحاكم في مالي بقيادة الكولونيل عاصيمي غويتا) من باريس سحبَ جميع قواتها من الأراضي المالية، بعد تسع سنوات على انطلاق عملية «برخان» التي قادتها فرنسا لمواجهة حركات التمرد والإرهاب في الشمال المالي. وفي منتصف أغسطس 2022 كان انسحاب آخر الجنود الفرنسيين من الأراضي المالية، ليتجهوا منها مع معداتهم إلى معسكرات وقواعد عسكرية فرنسية في النيجر المجاورة. لكن في يوليو من العام التالي، شهدت النيجرُ بدورها انقلاباً عسكرياً أطاح بالرئيس المنتخب محمد بازوم على يد «المجلس الوطني لحماية الوطن» (مجلس عسكري بقيادة العقيد عبد الرحمن تشياني) الذي لم يلبث بدوره أن طالب فرنسا بإخراج قواتها من الأراضي النيجرية. وفي 10 أكتوبر 2023 بدأت القواتُ الفرنسيةُ مغادرةَ النيجر، لتُكمل انسحابَها مع نهاية العام، في تطور اعتبرتْه سلطاتُ نيامي «لحظة تاريخية تشهد على تصميم الشعب النيجري وإرادته».
وقبل ذلك كانت بوركينا فاسو قد طالبت رسمياً، في يناير 2023، القوات الفرنسية بمغادرة البلاد «في غضون شهر»، إثر إعلان «الحركة الوطنية للحماية والإصلاح» (المجلس العسكري الحاكم بقيادة إبراهيم تراوري) إنهاءَ اتفاقية التعاون العسكري البوركينابية الفرنسية. وإثر انسحاب القوات الفرنسية، تبعتها قوات بعثة الأمم المتحدة لحفظ الأمن في مالي (مينوسما) المكونة من حوالي 13 ألف رجل، وقد أكملت عملية انسحابها، التي كانت هي كذلك بطلب من السلطات المالية، في 15 نوفمبر 2024.
وفي الوقت ذاته كانت مجموعة دول الساحل الخمس (G 5) قد دخلت طور التفكك، بعد أن أكملت تشكيلَ قوتها العسكرية المكلفة بمحاربة الإرهاب، والمكونة من 15ألف رجل، والتي كانت قيادتها تتمركز في مالي. لكن هذه الأخيرة أعلنت الانسحابَ من المجموعة في مايو 2022، مبررةً انسحابَها بالنفوذ الفرنسي على هيئات المجموعة وخياراتها الأمنية والسياسية. وفي ديسمبر من العام التالي أعلنت كلٌ مِن النيجر وبوركينا فاسو انسحابَهما معاً من المجموعة، قائلتين في بيان مشترك إنه «لا يمكن السماح لمجموعة دول الساحل الخمس أن تخدم المصالحَ الأجنبية (فرنسا) على حساب مصالح شعوب الساحل، ناهيك عن قبول إملاءات أيّ قوة مهما كانت». وبذلك لم يبق في المجموعة سوى عضوين فقط، موريتانيا وتشاد، ما يعني حلَّها تلقائياً بموجب أحكام المادة 20 من الميثاق المؤسس لمجموعة الساحل الخمس.
وربما كانت الضربة المباشرة للعلاقة التقليدية بين فرنسا ودول تحالف الساحل الأفريقي، هي انسحاب هذه الدول من منظمة الفرانكفونية العالمية في مارس 2025، حيث أعلنت الدولُ الثلاثُ انسحابَها من المنظمة لأسباب تتعلق بالسيادة الوطنية لبلدانها، وبضرورة العمل على تحقيق تطلعات شعوبها.
وهكذا مهّدت تحولات السلطة في دول الساحل الثلاث لمنعطف استراتيجي تلاه تراجعٌ واضحٌ للنفوذ الفرنسي في المنطقة، ثم أفضى أخيراً إلى انسحاب عسكري فرنسي كامل، ليس فقط من دول التحالف الثلاث، وإنما أيضاً من دول أخرى مهمة في الإيكواس مثل السنغال وساحل العاج.
ومثّل إنهاء التحالف مع فرنسا والتخلي عن دعمها العسكري توجهاً مشتركاً زادَ مِن التقارب بين دول الساحل الثلاث. أما الدافع الأقوى لهذا التقارب فكان تهديد مجموعة الإيكواس بالتدخل عسكرياً في النيجر من أجل «إعادة الحكم المدني الدستوري إليها». وهو التهديد الذي شعرت كل من باماكو وواغادوغو أنهما معنيتان به على نحو ما، لا سيما أنهما واقعتان تحت طائلة عقوبات جزئية مِن مجموعة الإيكواس نفسها، وللسبب ذاته أيضاً، وذلك بموجب قرارات المجموعة والاتحاد الأفريقي التي تحظر تغيير أنظمة الحكم بوسائل القوة والعنف. وتضافرت المواقف المناهضة لكل من الإيكواس وفرنسا في عواصم دول الساحل الثلاث، والتي رأت معاً أن قرارات المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا لم تكن إلا صدى لما تريده باريس وترغب فيه، بغية إفشال التغييرات التي أجرتها جيوشُ هذه الدول في السياسات الأمنية والاقتصادية والعلاقات الخارجية، لينشأ عن هذا التضافر موقفٌ سياسي مشترك أكثر تضامناً وثباتاً وتصميماً.
«الإيكواس» ضد التغيير
أعلنت كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، في 28 يناير 2024، انسحابَها الفوري، وبشكل جماعي، من مجموعة إيكواس، رداً على العقوبات الاقتصادية والسياسية والمالية التي فرضتها المجموعة على هذه الدول تباعاً، وذلك بدايةً بمالي عامَ 2020، وانتهاءً بالنيجر عامَ 2023. فمع كل انقلاب عسكري يطيح بنظام الحكم في دولة من الدول الثلاث تبادر الإيكواس إلى فرض إجراءات عقابية ضد السلطة (العسكرية) الجديدة، بدءاً بتعليق عضوية البلد، وصولاً إلى تجميد علاقاته الاقتصادية والمالية والدبلوماسية مع باقي الدول الأعضاء في المجموعة. وهكذا تدهورت العلاقة بين دول الساحل الثلاث ومجموعة الإيكواس، مما أثّر على حركة التبادل التجاري، والتحويلات المصرفية، ومن ثم على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الدول الثلاث التي تعتمد في عمليات الاستيراد والتصدير على موانئ دول أخرى في الإيكواس، مثل السنغال وساحل العاج، كما يقيم الملايين من مواطنيها ويعملون في دول الإيكواس.
لقد بدأت العقوبات من مالي التي شهدت انقلاباً في أغسطس 2020 أُطيح فيه بالرئيس إبراهيم أبوبكر كيتا على يد العقيد عاصمي غويتا، تلاه انقلاب آخر في مايو 2021 أطاح فيه غويتا نفسُه برئيس الحكومة المدنية الانتقالية «مختار وان»، معلناً تمديدَ الفترة الانتقالية إلى خمس سنوات بدلاً من الـ18 شهراً المتفق عليها مع مجموعة الإيكواس، تمهيداً لعودة الحكم المدني. وبعدئذ قررت المجموعةُ خلال قمتها في العاصمة الغانية أكرا (يناير 2022) فرضَ عقوبات اقتصادية ودبلوماسية واسعة على سُلطات باماكو، بما في ذلك إغلاق حدود الدول الأعضاء مع مالي، واستدعاء سفرائها من باماكو، وتجميد أصولها المالية في بنوك المجموعة، ومنع التحويلات المالية منها وإليها، وإلغاء كافة أشكال التعاون معها، وتعليق معظم المساعدات المالية لصالحها. لكن المجلس العسكري عاد وأعلن جدولاً زمنياً لعملية انتقال سياسي، فقرر قادة الإيكواس خلال قمتهم المنعقدة مطلع يوليو 2022، في أكرا أيضاً، رفع العقوبات المفروضة ضد مالي.
وفي يناير من ذلك العام شهدت بوركينا فاسو تطوراً آخر أطاح فيه العقيد بول هنري داميبا بالرئيس المنتخب روك مارك كريستيان كابوري، لكن الإكواس اكتفت بتعليق عضوية واغادوغو، مطالبةً إياها بإطلاق سراح الرئيس كابوري وبوضع جدول زمني لإعادة الحكم المدني في أسرع وقت. وبعد الانقلاب الثاني الذي عرفته البلاد في سبتمبر 2022، والذي أُطيح فيه بالعقيد داميبا على يد رفيقه النقيب إبراهيم تراوري، تراجع هذا الأخير عن التعهد بتسليم السلطة للمدنيين بحلول منتصف 2024. ورغم ذلك فقد بدت الإيكواس أكثر مرونة واكتفت بمطالبها السابقة، مع ممارسة ضغوط دبلوماسية لإنهاء اعتقال الرئيس كابوري.
غير أن تعامل مجموعة الإيكواس مع حالة النيجر كان مختلفاً، وقد مثّل ذروةَ التصادم مع مسارات التغيير الجديدة في دول الساحل بقيادة جيوشها. فعقب إطاحة الرئيس محمد بازوم، في يوليو 2023، فرضت الإيكواس حصاراً اقتصادياً موسّعاً على النيجر، وهددت بتدخل عسكري يعيد النظامَ المدني الدستوري. غير أن مالي وبوركينا فاسو رفضتا بشدة ذلك التهديدَ من جانب الإيكواس، واعتبرتا أن أيَّ تدخل عسكري في النيجر سيكون بمثابة عدوان عليهما وبالتالي فستتصديان له بالقوة أيضاً.
ورغم تراجع الإيكواس عن التهديد باستخدام القوة العسكرية في النيجر، فإن موقفها المتشدد زاد مِن مساحة التلاقي بين قادة الدول الثلاث، ليشكّلوا تحالفاً جديداً وضعوا له أهدافاً على رأسها التضامن العسكري والوقوف في وجه أي تهديدات خارجية.
من «ليبتاكو» إلى الكونفدرالية
واستمراراً لمسار التدهور في العلاقة مع الإيكواس وفرنسا، اختارت المجالس العسكرية الحاكمة في دول الساحل الثلاث التضامنَ فيما بينها والابتعاد عن أُطر الفضاء الإقليمي لغرب أفريقيا، الذي اعتبرته معادياً ومتماهياً مع الموقف الفرنسي بشكل كامل. وعلى هذه الخلفية كانت الخطوة الأولى نحو التحالف الثلاثي الجديد بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو هي «ميثاق ليبتاكو – غورما» للدفاع المشترك، الذي وقّعته الدول الثلاث في العاصمة المالية بامكو، يوم 17 سبتمبر 2023، والمكوّن من 17 مادة، والهادف إلى إنشاء «هيكلية للدفاع المشترك والمساعدة والمتبادلة».
وجاءت تسمية الميثاق الأمني على منطقة «ليبتاكو – غورما» المشتركة بين دول الساحل الثلاث، للدلالة على عمق التداخلات التاريخية والجغرافية والبشرية بينها. فـ«ليبتاكو – غورما» منطقة حدودية تاريخية في قلب إقليم الساحل الأفريقي، تتقاسمها كلٌ مِن بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وتتقاطع فيها حدودُ هذه الدول معاً. وهي منطقة على هيئة شكل رباعي الأضلاع، تحدّه تمبكتو وكيدال (في مالي) ونيامي (في النيجر) وواغادوغو (في بوركينا فاسو). ويشكّل حوض نهر النيجر، الذي يعبر الدول الثلاث، المحورَ الرئيسي لهذه المنطقة المكوَّنة مِن قسمين: أولهما «ليبتاكو» الواقع شمال شرق بوركينا فاسو وغرب النيجر، ويضم مدن دوري وكوالا ودياغورو وأريبيندا.. واسمه مشتق من إمارة ليبتاكو التي أسّسها إبراهيم سيفو عام 1810. أما القسم الثاني فهو غورما، وتعني «الضفة اليُمنى لنهر النيجر» بلغة سونغهاي، وهذا أيضاً يقع جزءٌ منه في بوركينا فاسو وجزء آخر في مالي وجزءٌ ثالث في النيجر. وسبق للدول الثلاث أن أسَّست، في عام 1970، هيئةً للتنمية المتكاملة في المنطقة المشتركة عُرفت آنذاك باسم «هيئة ليبتاكو-غورما» (ALG)، وكان الهدف منها استغلال الموارد الطبيعية للمنطقة وتجميعُ مشاريع التنمية المقامة فيها بشكل متناثر. ورغم محدودية النجاح الذي حققته هذه الهيئة، فقد عادت الدول الثلاث وقررت مجدداً، في عام 2015، إنشاء قوة دفاعية مشتركة هدفها ضمان أمن وتنمية ليبتاكو-غورما، ومكافحة الأنشطة الإرهابية فيها، لكن دون كبير جدوى على هذا الصعيد، حيث تحوّلت المنطقة في السنوات الخمس الأخيرة إلى معقل لأنشطة الجماعات الإرهابية، خاصة بعد خروج القوات الفرنسية وقوات بعثة الأمم المتحدة (مينوسما) من الأراضي المالية.
وعلى وقْع التحدي الإرهابي، بما يمثّله من تهديد أمني متزايد، فضلاً عن ضغوط الإيكواس وما لها من انعكاسات اقتصادية واجتماعية ملموسة، جاء الانتقال من التحالف العسكري إلى الإعلان عن قيام كونفدرالية جديدة، وذلك خلال القمة التأسيسية التي جمعت في نيامي، يوم 26 يوليو 2024، قادةَ الدول الثلاث، إبراهيم تراوري (بوركينا فاسو) وعاصيما غويتا (مالي) وعبد الرحمن تشياني (النيجر). وخلال هذه القمة وقّع القادةُ الثلاثةُ معاهدةَ قيام «كونفدرالية تحالف دول الساحل»، والتي حددت في مادتها الثانية أهداف الكونفدرالية: «تعزيز التعاون بين الدول الأطراف في مجالات الدفاع والأمن، وضمان الأمن الجماعي ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتنسيق السياسات الدبلوماسية والاقتصادية والتنموية، وتحسين الظروف المعيشية لشعوب الدول الأعضاء». وكما حدّد نصُّ المعاهدة أجهزةَ الكونفدرالية، متمثلةً في مؤتمر الرؤساء ومجلس الوزراء والأمانة العامة (مقرها نيامي)، فقد شدّدت على الدفاع المشترك والتضامن الأمني ومكافحة الإرهاب الذي يكاد يُشكّل السبب والنتيجة في وقت واحد لكثير مما يحدث في دول كونفدرالية الساحل.
الإرهاب والقوة الأمنية المشتركة
واجهت دولُ الساحل الثلاث تحدياتٍ أمنيةً ملحوظةً خلال الأعوام الأخيرة، حيث زادت الهجمات الإرهابية، من تفجيرات وكمائن واغتيالات وعمليات انتحارية.. مستهدفةً المدنيين وقوافل الإغاثة والمعسكرات. بل إن بعض المدن وجدت نفسَها محاصرةً من طرف الجماعات الإرهابية، ومحرومةً من الإمداد بالوقود القادم من موانئ دول الجوار. وكما يتضح فإن معظم هذه الهجمات والعمليات الإرهابية من تنفيذ جماعات مرتبطة بتنظيميْ «القاعدة» و«داعش»، وبالخصوص جماعتي «ماسينا» و«نصرة الإسلام والمسلمين».
ووفقاً لتقرير «مؤشر الإرهاب العالمي»، الصادر عام 2025، فإن إقليم الساحل يعد الأكثر تضرراً بالعمليات الإرهابية، حيث شهد على مدى عامي 2023 و2024 نسبة 19% من إجمالي الهجمات الإرهابية التي عرفها العالم خلال الفترة ذاتها، مما أدى إلى نصف الوفيات الناجمة عن الإرهاب على مستوى العالم خلال الفترة المذكورة. وكانت بوركينا فاسو، كما يوضح التقرير، البلد الأكثر تضرراً بالإرهاب في عام 2024، حيث سجّلت أكبرَ عدد من الوفيات بإجمالي 1532 حالة وفاة، أي خُمس الوفيات المسجلة عالمياً. كما شهدت تضاعفاً في متوسط حالات الوفيات لكل هجوم من 7 حالات وفاة لكل هجوم في عام 2023 إلى 14 حالة وفاة لكل هجوم في عام 2024. ورغم أنها الدولة الأكثر تضرراً جراء الهجمات الإرهابية، فقد سجّلت بوركينا فاسو ثاني أكبر انخفاض في الإرهاب خلال عام 2024، بفضل الإجراءات المشددة التي اتخذتها الحكومة، بعد مقتل 200 شخص في هجوم لجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» في أغسطس 2024. فإثر هذا الهجوم تم تسجيل 27 هجوماً فقط أسفرت عن 144 حالة وفاة خلال الأشهر الأربعة التالية، مقارنة بـ 50 هجوماً و777 حالة وفاة في الأشهر الأربعة السابقة.
كما سجّل الإرهابُ في النيجر مستوياتٍ قياسيةً خلال عام 2024، حيث ارتفع عدد الهجمات الإرهابية إلى 101 خلال عام 2024، مقارنة بـ 62 في العام السابق، فيما تضاعف عدد الوفيات أيضاً، إذ تم تسجيل 930 حالة وفاة في عام 2024، مقارنة بـ 479 حالةً في عام 2023. وكما يرى معدو التقرير فقد خلقت الاضطرابات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد منذ يوليو 2023 بيئةً مواتيةً لنشاط الجماعات الإرهابية، وأدى الانسحاب العسكري الأميركي من البلاد، في أغسطس 2024، إلى فراغ أمني استغلته جماعات إرهابية مثل «نصرة الإسلام والمسلمين» و«داعش» لتصعيد أنشطتها الإرهابية.
وفيما يخصّ مالي فقد شهدت خلال عام 2024 وقوع 201 هجوم إرهابي نتجت عنه 604 حالات وفاة، ما يعني انخفاضاً بنسبة 21% مقارنة بالعام السابق. ورغم هذا الانخفاض، فإن الجماعات المتطرفة، كما يلاحظ التقرير، واصلت استغلال عدم الاستقرار، حيث شهدت العاصمة باماكو نشاطاً إرهابياً لأول مرة منذ عام 2016، وأسفرت 3 هجمات إرهابية فيها خلال عام 2024 عن مقتل 70 شخصاً.
الرد الأمني
وفي مواجهة الصعود المتواصل للأنشطة والأعمال الإرهابية، وما تشكله الجماعات المسلحة من تحدٍ للاستقرار والأمن والتنمية، بدأت بلدان كونفدرالية تحالف دول الساحل العمل على تشكيل قوة عسكرية مشتركة. وفي أغسطس 2025 أعلن الجيش النيجري أن «هيئة الأركان المشتركة، التي تضم أطراً عسكرية من الدول الثلاث، بوركينا فاسو ومالي والنيجر، تعمل بشكل مكثف على استكمال النصوص والإجراءات والترتيبات الضرورية لجعل القوة الموحدة للتحالف جاهزةً للعمل بشكل كامل، تمهيداً لتحويلها في المدى القريب إلى فاعل أساسي في حفظ الأمن والاستقرار داخل الفضاء الكونفدرالي».
وتهدف القوة العسكرية المشتركة إلى تحسين التنسيق وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين جيوش الدول الثلاث، مما سيؤدي إلى عمليات أكثر فعالية ضد التنظيمات الإرهابية والجماعات الإجرامية المنظمة. وقد اكتمل تشكيل القوة المشتركة وأُعلن عن بدء عملها رسمياً، وأشرف الرئيس الانتقالي المالي، الرئيس الدوري لكونفدرالية تحالف دول الساحل، الجنرال عاصيمي غويتا، يوم 20 ديسمبر، على الانطلاقة الرسمية للقوة المُوَحَّدة للتحالف، والمكونة من 5 آلاف جندي مدعومين بقدرات برية وجوية. وقال في كلمة بالمناسبة إن «تطور أساليب عمل الجماعات الإرهابية يفرض اعتمادَ مقاربة تقوم على الاستباق الاستراتيجي والجاهزية الدائمة». وأضاف غويتا لدى تسليمه علمَ كونفدرالية تحالف دول الساحل لقائد القوة المشتركة الجنرال داودا تراوري إيذاناً ببدء عمل هذه القوة بشكل رسمي، إن هذه القوة تمثل «لحظة فارقة في تاريخ التعاون العسكري بين الدول الثلاث»، مشيراً إلى أنها تعد «ثمرة لمسار بدأ بإعلان نيامي الصادر في 6 يوليو 2024، والذي أسس لتحالف استراتيجي قائم على مبدأ التضامن الدفاعي».
والواقع أنه بقدر ما تحتاج دول تحالف الساحل إلى التنسيق الأمني في مواجهة التهديدات الإرهابية، فهي بحاجة أيضاً إلى البناء الاقتصادي المشترك، ضماناً لاستدامة الاستقرار الداخلي والوئام الاجتماعي.. فماذا حقق التحالف في هذا المجال؟
معطيات القطاع الأولي
تقع الدول الثلاث التي تشكل معاً كونفدرالية تحالف دول الساحل في منطقة داخلية بغرب أفريقيا وتمتد على مساحة تناهز 2.8 كيلو متر مربع، تشكل الصحراء ما يزيد على نصفها، خاصة بالنسبة لمالي (65%) والنيجر (80%)، مما يجعلها عرضةً لتقلبات الطقس الناتجة عن التغير المناخي. ويبلغ العدد الإجمالي لسكان هذه الدول 75 مليون نسمة، قاعدتهم العريضة من الشباب (47% دون سن 15 عاماً)، كما أن نسبة 43% من السكان تعيش تحت خط الفقر، مع نمو ديموغرافي مرتفع (يصل 3% سنوياً)، مما يشكل ضغطاً على اقتصادات هذه الدول وميزانياتها العامة، وهي دول تحتل مراتب متأخرة على مؤشر التنمية البشرية، حيث جاءت مالي والنيجر معاً في المرتبة 188 من بين 193 دولة على المؤشر، فيما احتلت بوركينا فاسو المرتبة 186 على المؤشر ذاته في تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة عام 2023. وبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول معاً حوالي 65 مليار دولار في عام 2024، يستأثر القطاع الأولي، وعلى رأسه التعدين والزراعة، بنصيب الأسد منها، إذ مثَّل نسبةَ 20.3% في بوركينا فاسو عام 2024، ونسبة 33.2% في مالي عام 2023، ونسبة 43.1% بالنيجر في العام ذاته. كما أن هذا القطاع هو المشغِّل الأكبر للقوى العاملة في دول الساحل، إذ تعمل به 64% من القوى العاملة في مالي، و70% من القوى العاملة في النيجر، و80% من القوى العاملة في بوركينا فاسو.
مؤشرات مفاجئة
وقد تأثرت اقتصادات دول الساحل بالتوترات الأمنية المزمنة في المنطقة، وما نجم عنها من نزوح 4 ملايين نسمة عبر مالي وبوركينا فاسو والنيجر والبلدان المجاورة. كما تأثرت بعوامل التغير المناخي ذات الوتيرة المتصاعدة وما نتج عنها من أضرار مباشرة وتهديدات مستمرة للأمن الغذائي. وهذا فضلاً عن العقوبات الاقتصادية التي بدأت تتعرض لها هذه الدول تباعاً منذ عام 2020 من جانب الإيكواس التي تتشابك اقتصاداتُها معها تشابكاً يومياً واسع النطاق.
وقد زادت القلاقلُ والتحدياتُ الأمنية مِن فاتورة الإنفاق العسكري، وأثرت على مستوى الإنتاج في قطاعَي الزراعة والتعدين اللذين يشكلان العمودَ الفقري لصادرات هذه الدول. كما أدت العقوبات الاقتصادية إلى رفع فوائد الإقراض بالنسبة للحكومات وإلى زيادة التضخم الذي ارتفع في مالي من 2.1% عام 2023 إلى 3.2% عام 2024، وإن بقي قريباً من النطاق القياسي لدول الإيكواس نفسها، والبالغ 3.0%. بينما اتجه في بوركينا فاسو نحو الانخفاض خلال النصف الأول من عام 2025، إذ بعد أن كان 2.3% في مارس، انخفض إلى 1.1% في يونيو، وفقاً للبنك المركزي لدول غرب أفريقيا. أما في النيجر فسجل التضخمُ ذروتَه عند 4.7% في مارس 2025 قبل أن ينخفض إلى 0.5% في الشهر التالي، ليحافظ على مستواه المنخفض حتى أحدث إحصاءات يصدرها البنك المركزي لدول غرب أفريقيا (BCEAO) في نوفمبر الماضي.
وربما كان من المفاجئ أيضاً أن اقتصادات دول كونفدرالية الساحل حافظت إلى حد كبير على وتيرة نموها، كما يتضح من بيانات البنك المركزي لدول غرب أفريقيا، والتي توضح أن الناتج المحلي الإجمالي لمالي حقق خلال عام 2024 معدلَ نمو بلغ 5.0%، مقارنةً بـ4.7% عام 2023. ويتوقع له صندوق النقد الدولي أن يحافظ على نمو بالمعدل ذاته خلال عام 2025. أما بوركينا فاسو فتَسارع نمو ناتجها المحلي الإجمالي من 3.0% عام 2023 إلى 4.8% عام 2024، مع توقع بتباطئه قليلاً إلى 4.3% عام 2025 وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي. وهذا فيما قفز معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للنيجر من 2.4% عام 2023 إلى 10.3% عام 2024. ويتوقع له أن يتراوح خلال عام 2025 بين 6.6% (صندوق النقد الدولي) و14.4% (البنك الدولي)، وهو نمو قوي كما وصفته وزارة المالية الفرنسية في تقييمها لـ«حالة الاقتصادي النيجري».
وفيما يتعلق بمؤشرات المالية العامة، فهناك اتجاه عام في دول الساحل نحو التحسن، حيث سجلت مالي تراجعاً في العجز الإجمالي خلال عام 2024 إلى 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً بـ3.9% عام 2023. كما سجلت بوركينا فاسو انخفاضاً في عجز الحساب الجاري الإجمالي من 617 مليار فرنك أفريقي عام 2023 إلى 556.8 مليار فرنك أفريقي عام 2024، أي ما يعادل 4.0% من الناتج المحلي الإجمالي. وفيما يخص النيجر فقد بلغ متوسط عجز حسابها الجاري نسبة 3.7% عام 2024 مقارنةً بـ9.1% عام 2023، وإن كان من المتوقع ارتفاعه مجدداً إلى 4.7% عام 2025. كما حقق الميزان التجاري لهذه الدول تحسناً مفاجئاً هو الآخر، حيث سجل في مالي فائضاً قدره 347.5 مليار فرنك أفريقي في عام 2024، بعد عجز بنحو 555.3 مليار فرنك أفريقي عام 2023. وهو اتجاه برز أيضاً في بوركينا فاسو التي استطاعت تحويلَ العجز المزمن في ميزانها التجاري إلى فائض بنحو 791 مليار فرنك أفريقي في النصف الأول من عام 2025، بفضل زيادة صادراتها من الذهب. أما النيجر التي عانى ميزانها التجاري حتى عام 2024 من عجز بلغ (-2.5%) من الناتج المحلي الإجمالي، فيتوقع أن تسجل فائضاً في عام 2025 بنسبة 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي، ليستقر عند متوسط 1.4% عام 2026، وفقاً لتوقعات صندوق النقد الدولي. وفيما يتعلق بالدَّين العام ومخاطره في هذه الدول، فقد وصفه صندوق النقد الدولي بـ«المستقر نسبياً»، حيث شكل الدَّين العام لبوركينا فاسو نسبة 52.7% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024، وشكل الدين العام لمالي نسبة 51.7% من ناتجها المحلي الإجمالي خلال العام ذاته، وللنيجر نسبة 47.2% في العام ذاته أيضاً.
سياسات سيادية
وبناءً على ما أظهرته اقتصاداتُ دول الساحل من مؤشرات إيجابية، وسط ظروف سياسية وأمنية ومناخية غير مواتية، حاز أداء هذه الاقتصادات، خلال السنتين الأخيرتين، على ثناء بعض الخبراء الذين وصفوها بالمرونة والحيوية. كما مالت توقعاتُ البنك وصندوق النقد الدوليين بشأنها إلى الاعتقاد بأنها ستشهد انتعاشاً متسارعاً في العام المقبل، بفضل ما أظهرته مِن قدرة على التكيف مع التحديات، علاوة على التوسع في إنتاج الذهب والقطن في كل من مالي وبوركينا فاسو والذهب والنفط في النيجر، حيث تمثل هذه القطاعات محركاً رئيسياً لاقتصادات الدول الثلاث.
وربما كانت هذه «النجاحات» عاملاً مشجعاً، إلى جانب التحديات الأمنية والعقوبات الخارجية كعوامل محفزة هي الأخرى، لدول الساحل الثلاث على المضي من التنسيق الأمني إلى «الاستقلال الاقتصادي»، وذلك عبر جملة من القرارات، ضِمنها تأسيس بنك استثماري مشترك لتعزيز السيادة المالية وتمويل مشروعات البنية التحتية، والتخطيط لإصدار عملة موحدة كبديل للفرنك الأفريقي. كما قررت هذه الدولُ تعزيزَ التكامل التجاري فيما بينها عن طريق تطبيق تعريفة جمركية موحدة على الواردات الخارجية، فضلاً عن التركيز على التنمية الذاتية عبر الاستفادة من الموارد الوطنية بموجب خطط لتطوير القطاعات الاستخراجية (مثل الذهب واليورانيوم) وتجهيز المعادن داخلياً بدلاً من تصديرها كمواد خام.
وإلى ذلك، فقد قررت دول تحالف الساحل تنويعَ الشراكات الخارجية، وفتح آفاق للتعاون مع قوى عالمية جديدة، مثل (روسيا والصين) للاستثمار ونقل التكنولوجيا بعيداً عن الاعتماد على الغرب.
ولتعزيز هذه القرارات المالية والاقتصادية، قررت الدولُ الأعضاءُ إصدارَ جوز سفر مشترك، وتأسيس برلمان موحد، ووضع نشيد وعلَم وإنشاء قناة تلفزيونية للكونفدرالية.
غير أن هذه الخطوات والسياسات السيادية لا تزال في مراحلها الأولى، وتواجه تحدياتٍ أمنيةً وضغوطاً دوليةً وهشاشة مؤسساتيةً، فضلاً عن واقع الانغلاق الجغرافي الذي يشكل عائقاً أمام أي محاولة لفك الارتباط بمجموعة الإيكواس والتخلي عن علاقات التعاون الوثيق مع دولها ذات الموانئ البحرية المهمة، والتي تشكل «شريان حياة» لا غنى عنه لدول تحالف الساحل الثلاث. ومهما يكن فإن مساعي دول كونفدرالية تحالف الساحل الثلاث لفك الارتباط مع الإيكواس، وثلاثتُها دولٌ داخليةٌ لا تملك أيَّ إطلالة على البحر، شبيهة إلى حد ما بمحاولة «الانعتاق من الهيمنة الثقافية الفرنسية» في وقت تظل فيه اللغة الرسمية لهذه الدول، ولغة التواصل فيما بينها، هي اللغة الفرنسية حصراً.
وكذلك الأمر فيما يخص إنشاء عملة جديدة لدول الساحل، حيث لا تزال هذه الدول حتى الآن، وبعد مضي عام ونصف العام على تأسيس كونفدرالية الساحل، أعضاءَ في البنك المركزي لدول غرب أفريقيا، وتتعامل بالفرنك الأفريقي المستند إلى اتفاقيات مالية طويلة الأمد مع فرنسا.
أما إنشاء جواز سفر مشترك فلا يحقق أيَّ إضافة في الواقع العملي، حيث إن، منطقة الإيكواس، ومنذ سبعينيات القرن الماضي، تتيح لمواطني دولها الخمسة عشر (وبينها دول الساحل الثلاث) التنقلَ ببطاقة التعريف. كما يطرح الإعلانُ عن بدء الإعداد لإنشاء برلمان مشترك التساؤلَ حول إمكانية قيام هذا البرلمان في ظل حالة الطوارئ القائمة، والتي بموجبها تم تعليق الدساتير وحل البرلمانات الوطنية في الدول الثلاث.
وبالقدر نفسه يثير تأكيدُ البعد السيادي في المواقف والتوجهات الجديدة لدول الساحل تساؤلاً آخر حول حدود السياسات التكاملية، وما يمكن أن تفرضه من تنازلات متبادلة بين الدول الثلاث في مجال السيادة الوطنية لصالح قيام صرح اندماجي مشترك!
أخطار وتحديات
أثبتت خبرة السنوات الماضية القريبة حاجةَ دول الساحل الأفريقي إلى مزيد من المرونة والواقعية في توجهاتها التكاملية، كما أوضحت حاجتَها الماسة إلى الاستثمارات الأجنبية لضمان الحفاظ على نموها الاقتصادي، ومن أجل امتلاك التكنولوجيا والبنية التحتية القوية لإكسابها القدرةَ الكافية على الصمود في وجه التحديات الأمنية والعقوبات الخارجية. إنها تحتاج إلى معالجة أوضاعها الأمنية، ضماناً للاستقرار والنمو الاقتصادي، كما تحتاج إلى معالجة أوضاعها الاقتصادية، ضماناً للاستقرار الأمني فيها.
وعلى خلفية هذا التداخل بين المستويين الاقتصادي والأمني، جاءت التوقعاتُ الأخيرةُ التي نشرتها وكالة «موديز»، حول الآفاق الاقتصادية لدول الساحل، أقلَّ تفاؤلاً من توقعات البنك وصندوق النقد الدوليين. فقد أشارت الوكالة إلى عدد من الأخطار والتحديات مثل: التهديدات الأمنية، والصدمات المناخية، وانخفاض الدخل، وانعدام الأمن الغذائي، وموقف المجتمع الإقليمي، وضعف الاندماج الداخلي، وهشاشة الحكامة، ونقص التنوع الاقتصادي.. فضلاً عن الإنفاق العسكري المرتفع، وتوقف المساعدات الإنمائية الخارجية، وصعوبة الحصول على تمويلات، وعدم وضوح التوقعات الاقتصادية العالمية.
وبالنظر في هذه العوامل مجتمعةً، يتضح أن مؤشرات «النجاح» الذي أحرزته اقتصادات دول الساحل، خلال العامين الماضيين، في مواجهة الضغوط السياسية والأمنية والبيئية، ربما يعود الدور الأساسي فيها إلى زيادة الإنتاج في قطاعات أولية مثل الذهب والقطن والنفط واليورانيوم، خلال الفترة المذكورة.
الحصيلة والخيارات
ويمكن القول بأن أي معالجة موضوعية وفعالة لتحديات الساحل لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الاقتصادية والعسكرية المباشرة، بل تتطلب استثماراتٍ طويلةَ الأجل في إدارة الموارد البشرية والطبيعية، وربط جهود مكافحة الإرهاب بسياسات التنمية المستدامة، لا سيما أن منطقة الساحل تزداد تأثراً بظاهرة التغير المناخي وما ينتج عنها من كوارث طبيعية متعاقبة، مثل موجات الجفاف الطويلة ومواسم الفيضانات المفاجئة. وكما يقول الخبير المناخي بدوي برهان، فإن التغيرات المناخية تمثل أحدَ العوامل البنيوية الأكثر تأثيراً على حالة عدم الاستقرار في منطقة الساحل الأفريقي، حيث أدى التصحر وتراجع الأمطار وندرة الموارد المائية إلى تفاقم النزاعات المحلية على الأرض والمراعي. وهكذا يتضح أن التدهور البيئي المتسارع لا يؤثر فقط على الأمن الغذائي، بل يضاعف من هشاشة الأوضاع الأمنية، إذ تستغل الجماعاتُ المسلحة حالةَ الفقر والنزوح المرتبطة بالمناخ لتجنيد عناصر إضافية وتوسيع نطاق أنشطتها الإرهابية.
وإلى ذلك يجمع الخبراء على أن مواجهةَ التهديدات الإرهابية طريق طويل ومكلف أمنياً واقتصادياً، ولا يمكن لدول تحالف الساحل خوضه بمفردها. ويشيرون إلى الفراغ الذي تركه انسحاب 5 آلاف جندي فرنسي و13 ألف جندي أممي و10 آلاف جندي من مجموعة (G5). وعلى ضوء هذه المعطيات يشير الدكتور عبد الفتاح الفاتحي، مدير «مركز الصحراء وأفريقيا للدراسات الاستراتيجية»، إلى تباطؤ ميداني في القضاء على الجماعات المسلحة بعد إنهاء عمليتَي «سيرفال» و«برخان» الفرنسيتين في مالي، قائلاً، إن الجهود الأمنية المشتركة بين دول الساحل لم تحقق المنتظرَ منها بعد انسحاب القوات العسكرية الفرنسية والأممية. ويؤكد الفاتحي على أهمية التحالفات الدولية لمكافحة الإرهاب، خاصة بالنسبة لدول تعاني من محدودية القدرات التقنية والبشرية العسكرية.
ومع أن التعاون الروسي، الذي حل محل التعاون الفرنسي، سمح بتحقيق بعض النجاحات المعتبرة في مالي، من قبيل استعادة الجيش المالي مدينةَ كيدال في إقليم أزواد عام 2023، فإن هذه الشراكة الجديدة «لم توقف تقدمَ الجماعات الإرهابية» في شمال ووسط وغرب مالي، كما يرى المحلل الاستراتيجي الفرنسي المتخصص في شؤون الساحل الأفريقي، آلين آنتيل، والذي يوضح أن التعاون العسكري بين روسيا من جهة، وكل من النيجر وبوركينا فاسو من جهة أخرى، يبقى محدوداً بالقياس إلى التعاون الروسي المالي، حيث يقتصر التعاون الروسي مع النيجر وبوركينا فاسو على مجالي التدريب والتسليح. أما مالي فشهدت منذ عام 2022 نشر ما يقدر بنحو 2000 عنصر من مجموعة «فاغنر» الروسية قبل استبدالها بهيكل جديد يسمى «فيلق أفريقيا»، والذي انخرط هو أيضاً في مهام قتالية فعلية.
ورغم أهمية القوة العسكرية المشتركة الجديدة لدول الساحل، فإنها تواجه تحديات فيما يتعلق بالتمويل والمعدات والدعم اللوجستي، وهو ما يمكن أن يؤثر على استدامتها وفعاليتها في المدى الطويل. ومن هنا يشكك بعض المحللين في قدرة الهيئة العسكرية الجديدة على تحقيق ما عجزت عنه القوات الإقليمية والدولية مجتمعةً، لا سيما في ظل تزايد التهديدات الإرهابية عبر أنحاء المنطقة. وكما يوضح آنتيل، فقد بذلت السلَطُ الجديدةُ في الدول الثلاث جهوداً كبيرة للنهوض بأمن بلدانها، وقامت بتجنيد عدد كبير من الشباب في أسلاكها العسكرية، وصرفت أموالاً كبيرة في شراء المعدات القتالية.. لكن «النتائج على الأرض ما تزال ضعيفة». وبهذا فهو يتفق مع الفاتحي في تقييمه للحالة الميدانية، حيث يشيران إلى أن الدول الثلاث حرمت نفسَها من الغطاء الجوي الذي كانت توفره القوات الفرنسية.
وعلى العكس من ذلك، يرى الباحث السياسي الروسي سيرجي أوكتنوف أن الوضع الأمني في منطقة الساحل الأفريقي يشهد مرحلةَ إعادة تشكّل عميقة عقب الانسحاب الفرنسي، الذي «أنهى نموذجاً عسكرياً امتد لسنوات دون أن ينجح في القضاء على التهديدات الإرهابية أو في تحقيق الاستقرار». ويضيف أوكتوف أن «هذا الانسحاب كشف عن اختلالات بنيوية في المقاربة الغربية، التي اعتمدت على الوجود الخارجي المكثف بدل الاستثمار في بناء مؤسسات أمنية وطنية قادرة على العمل باستقلالية»، مجادلا بأن «الفراغ الذي خلّفه الوجود الفرنسي لا يُعد انهيارًا أمنياً بقدر ما هو مرحلة انتقالية مصحوبة بتحديات متوقعة». كما يؤكد أن الشراكة مع روسيا أدخلت تحولًا مهماً في المعادلة الأمنية لدول التحالف الثلاث، إذ «أتاحت لها تنويعَ مصادر الدعم العسكري والتقني بعيداً عن الهيمنة الغربية»، علاوة على كونه جسّد شراكةً «تقوم على مبدأ احترام السيادة الوطنية وتقديم الدعم بناءً على طلب الحكومات، دون فرض أجندات سياسية».
وبدورها ترى إيرينا تسوكرمان، الباحثة الأميركية في شؤون الأمن القومي، أن الشراكة مع روسيا قد توفر دعماً أمنياً قصيرَ المدى، لكنها لا تعالج جذورَ الصراع. كما ترى أن الوضع الأمني في منطقة الساحل ازدادَ هشاشةً بعد الانسحاب الفرنسي، حيث أضعف ذلك منظومات التنسيق الاستخباراتي وخلق فراغاً استغلته الجماعاتُ المتطرفة لتوسيع نفوذها، خاصة في المناطق الريفية والتخوم الحدودية. وتعتقد تسوكرمان أن الانسحاب من إيكواس يعكس توتراً مع المنظومة التقليدية للتعاون الإقليمي، ويحرم دول الساحل من أدوات اقتصادية وأمنية مهمة. كما ترى أنه لا بديل لهذه الدول، أي مالي والنيجر وبوركينا، عن النجاح في احتواء التهديدات الإرهابية بشكل مستدام، معتبرةً أن الاعتماد المفرط على الحلول العسكرية دون مسار سياسي شامل يزيد من تعقيد الأزمة.
المآلات المستقبلية
ما من شك في أن كونفدرالية تحالف دول الساحل، بخياراتها الخارجية الجديدة، تمنح دولَها مساحةً أوسع لصياغة سياسات أمنية وتنموية أكثر انسجاماً مع أولوياتها الوطنية، لكنها في الوقت ذاته تضع نفسَها تحت ضغط حصار إقليمي قد يكتم أنفاسَ نموها الاقتصادي.
ورغم افتقار هذه الدول إلى القدرات المادية اللازمة لتجسيد مقارباتها الأمنية وكسب رهاناتها التنموية، فإن تحالفها «الكونفدرالي» يملك فرصةً للاستمرار طالما نجح في الحفاظ على بقاء مؤسسات الدولة، لكي يظل آليةً مهمةً في مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية، لاسيما من جانب الاتحاد الأفريقي والإيكواس اللذين عجزا في السابق عن أن يصبحا إطاراً فعالاً وناجحاً لتحقيق التنمية وفرض الأمن في الدول الثلاث.
وإذا نجح تحالف الساحل في التحول إلى مشروع إقليمي متكامل يعالج جذورَ الأزمات التي تواجه دولَه، ويستطيع تنسيق سياساته الأمنية وخططه الاقتصادية، فقد يصبح نموذجاً جديداً للتعاون الإقليمي الفعال والمثمر. والعامل الحاسم سيكون قدرة حكومات دوله على المواءمة وتحقيق الانسجام بين الحلول الأمنية والمعالجات الاجتماعية والاقتصادية.
وأياً تكن المآلات المستقبلية لكونفدرالية تحالف دول الساحل في مواجهة التحديات الحالية، فإن دور المجتمع الدولي ينبغي أن يتركز على دعم مشاريع التنمية ومكافحة الفقر وتعزيز التعليم والبنية التحتية.. دون فرض نماذج سياسية أو أمنية جاهزة.. إذ يظل احترام سيادة دول الساحل والتعامل معها كشركاء أكفاء شرطاً مهماً وضرورياً لأي مساهمة جادة في مكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار وكسب رهانات التنمية ودحر التحديات الأمنية!
بيد أنه لا يمكن للمجتمع الدولي احترام التزاماته تجاه هذه الدول، والاستمرار في مدها بمستوى معقول من الدعم التنموي والأمني، ما لم تحترم هي ذاتُها مبادئ النظام المؤسسي الدستوري الديمقراطي المدني، كإطار لا غنى عنه في أي مقاربة عقلانية شاملة ترمي إلى مواجهة التحديات الأمنية وكسب الرهانات التنموية!
المراجع:
- تقارير البنك المركزي لدول أفريقيا الغربية
- تقارير البنك وصندوق النقد الدوليين
- تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة عام 2024
- تقارير وزارة المالية الفرنسية
- تقرير مؤشر الإرهاب العالمي الصادر عام 2025
- مقالات على موقع مجلة «جون آفريك»
- معاهدة إنشاء كونفدرالية تحالف دول الساحل
- ميثاق ليبتاكو – غورما للدفاع المشترك
- نص المعاهدة التأسيسية لمجموعة دول الساحل الخمس (G 5)
- تقارير وتغطيات إعلامية على مواقع وكالات أنباء دول تحالف الساحل الثلاث



.jpeg)

.jpeg)