من زاوية الطاقة: ما الذي يجري في فنزويلا

تعود فنزويلا إلى واجهة الاهتمام الدولي من بوابة الطاقة، ليس فقط بسبب تطوراتها السياسية، بل أساسًا بسبب موقعها المحوري في معادلة النفط العالمي. فالبلاد تمتلك أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، يقدَّر بنحو 303 مليارات برميل، إلا أن هذا الثقل الجيولوجي لا ينعكس حاليًا في مستوى الإنتاج، الذي لا يتجاوز 980 ألف برميل يوميًا، مقارنة بذروة تاريخية بلغت نحو 3.7 ملايين برميل يوميًا.

 

تكمن خصوصية النفط الفنزويلي في طبيعته؛ إذ يشكل الخام الثقيل نحو 70% من الإنتاج، بخصائص فنية معقدة تشمل درجات API منخفضة تتراوح بين 12 و18، ونسبة كبريت مرتفعة تتراوح بين 2 و4%. هذه المواصفات تجعل من هذا الخام أقل جاذبية في الأسواق المفتوحة، وتفرض خصومات سعرية كبيرة قد تصل حاليًا إلى نحو 15 دولارًا للبرميل مقارنة بخام برنت.

 

في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة واحدة من أكبر منظومات التكرير في العالم، بطاقة تصل إلى 18 مليون برميل يوميًا، تتركز منها نحو 10 ملايين برميل يوميًا في مصافي ساحل الخليج والجنوب الأمريكي. هذه المصافي، ولا سيما في مناطق PADD-2 وPADD-3، صُممت بهياكل معقدة تتيح لها معالجة الخامات الثقيلة والحامضية، بفضل تجهيزها بوحدات متقدمة مثل الكوكرات، ووحدات التقطير الفراغي، ووحدات إزالة الكبريت، والتكسير التحفيزي، والهدرجة.

 

ورغم أن الولايات المتحدة تُعد اليوم أكبر منتج للنفط الخام عالميًا، فإن إنتاجها يتركز أساسًا في الخامات الخفيفة الناتجة عن التكسير الهيدروليكي، وهو ما لا يتوافق بالكامل مع احتياجات مصافيها المعقدة، التي تتطلب مزج الخامات الخفيفة والمتوسطة مع خامات ثقيلة لتحقيق الكفاءة الاقتصادية والتشغيلية.

 

من هنا، تعتمد الولايات المتحدة على واردات كبيرة من الخام الثقيل، تتراوح بين 6 و6.5 ملايين برميل يوميًا، أي ما يقارب 60% من إجمالي وارداتها النفطية. وتشكل كندا المصدر الرئيسي لهذه الواردات بنحو 3.3 ملايين برميل يوميًا، تليها المكسيك والبرازيل، فيما كانت فنزويلا تاريخيًا موردًا رئيسيًا قبل توقف الإمدادات بفعل العقوبات والتوترات السياسية.

 

في هذا السياق، تبرز مسألة إعادة ترتيب العلاقة النفطية بين الولايات المتحدة وفنزويلا بوصفها عاملًا محتملًا لتخفيف التوترات بين الطرفين. فبالنسبة للمصافي الأمريكية، يمثل النفط الفنزويلي الثقيل موردًا قريبًا جغرافيًا، ملائمًا تقنيًا، ومتاحًا بأسعار مخفّضة. أما بالنسبة لفنزويلا، فإن استعادة هذا السوق قد تشكل متنفسًا اقتصاديًا حيويًا في ظل أزمتها الممتدة.

 

صحيح أن احتياطيات كبيرة من النفط الثقيل توجد أيضًا في روسيا، كما أن غيانا تبرز تدريجيًا كلاعب صاعد في سوق الطاقة، إلا أن العوامل الجغرافية والبنية التحتية تجعل من فنزويلا خيارًا أكثر مباشرة بالنسبة للولايات المتحدة، على الأقل في المدى المنظور.

 

ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه السوق العالمي ظاهرة لافتة تتمثل في وجود نحو 1.6 مليار برميل من النفط العائم حول العالم، أي ما يعادل 15 إلى 20% يومًا من الاستهلاك العالمي، وهو مستوى يُعد من الأعلى تاريخيًا. هذه الكمية الضخمة تعكس حالة عدم يقين في السوق، وتطرح تساؤلات جوهرية حول التوازن بين العرض والطلب، ومسارات التجارة، والتوترات الجيوسياسية التي تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية.

 

محمد ولد نور الدين

مهندس في الطاقة مقيم فى ماليزيا 

أحد, 04/01/2026 - 11:12