الصراع في الساحل: إدارة للأزمة بدل حلّها

مع نهاية عام 2025، تتأكد ملامح حالة إنهاك عام تطبع مجمل الفاعلين في مسرح الصراع بمنطقة الساحل. فالمواجهات المستمرة لم تُفضِ إلى حسم عسكري حاسم لأي طرف، في ظل اتساع رقعة العمليات، وتشتت الجبهات، وعودة النزاع إلى نمط اشتباكات متقطعة وغير منتظمة. ويبدو أن الصراع دخل مرحلة يُعرف عنها في الأدبيات الأمنية بـ“نضج الأزمة”، حيث تتراجع القدرة على المبادرة، دون أن يواكب ذلك استعداد فعلي للتسوية.

 

توازن القوى وتطوراته

 

يعمل تحالف دول الساحل (AES)، برئاسة دورية يقودها حاليًا النقيب إبراهيم تراوري، على تعزيز قدراته الدفاعية في مواجهة جماعات مسلحة تشهد بدورها تباطؤًا نسبيًا في وتيرة التمدد، دون أن تفقد قدرتها على إحداث اختراقات نوعية. ويُلاحظ خلال شهر ديسمبر تصاعد التنافس على مستوى السرديات الإعلامية والدعائية، في مقابل غياب إنجازات ميدانية حاسمة، ما يعكس حالة استنزاف متبادل.

 

مؤشرات ميدانية بارزة

 

في مالي، كثفت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (القاعدة) عملياتها النوعية، عبر اختطاف ضابط في الجيش المالي قرب باماكو، واستهداف أرتال لوجستية بعبوات ناسفة، إلى جانب هجمات منسقة على مواقع عسكرية مثل حامية سانداري.

في المقابل، تواصل القوات المسلحة المالية، بدعم روسي مباشر عبر ما يُعرف بـ“الفيلق الإفريقي”، تنفيذ عمليات مضادة، خاصة في مناطق قريبة من الحدود الموريتانية، مع تسجيل صمت دعائي من الجماعات المسلحة بعد بعض الضربات، وهو ما يُفسَّر عادة كمؤشر على خسائر ميدانية.

في بوركينا فاسو، حافظت الجماعات المسلحة على قدرتها على السيطرة المؤقتة على مواقع لمتطوعي الدفاع عن الوطن.

وفي سياق التنافس الجهادي، نفذ تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل عمليات ضد عناصر القاعدة، ما يعكس استمرار الصراع البيني داخل الحقل الجهادي.

 

البعد الدولي

 

عززت روسيا حضورها السياسي والعسكري في مالي ودول تحالف الساحل، مقدمة نفسها كشريك استراتيجي بديل للغرب، ومروّجة لخطاب سيادي ينتقد التدخلات الغربية السابقة، خاصة العملية الفرنسية “برخان”. ويواكب هذا التوجه دعم سياسي ودبلوماسي واضح، تُرجم بتوقيع اتفاقات ثنائية ومشاريع تعاون طويلة الأمد، بما فيها مجالات حساسة كاستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية.

في المقابل، يواصل حلف شمال الأطلسي (الناتو) حضوره غير المباشر في المنطقة، خاصة عبر برامج دعم التعليم الدفاعي، كما يظهر في الزيارات الأخيرة لموريتانيا، ذات البعد الاستطلاعي والتنسيقي.

 

الوضع الموريتاني

 

تحافظ موريتانيا على مقاربة احترازية قائمة على تعزيز الجاهزية العسكرية، خاصة على الحدود الشرقية مع مالي. وتندرج الزيارات التفقدية للقيادة العسكرية، إلى جانب التعاون التقني مع شركاء دوليين، في إطار سياسة استباقية تهدف إلى منع انتقال التهديدات إلى الداخل الوطني.

 

التقدير العام

 

-الصراع في الساحل دخل مرحلة إنهاك متبادل دون مؤشرات حاسمة على قرب الحسم العسكري.

-تزايد الاعتماد على السرديات والدعاية يعكس محدودية المكاسب الميدانية.

-عام 2026 قد يُطرح نظريًا كسنة تسويات محتملة، غير أن غياب إشارات عملية حتى الآن يجعل هذا السيناريو ضعيف الاحتمال على المدى القريب.

-استمرار التوازن السلبي قد يفتح المجال إما لتصعيد مفاجئ، أو لتفاهمات جزئية غير معلنة، خاصة إذا تلاقت مصالح بعض الفاعلين الإقليميين والدوليين.

 

الخلاصة 

 

المنطقة تقف عند مفترق دقيق: لا انهيار شامل، ولا استقرار قابل للبناء. الخطر الأكبر لا يكمن في التصعيد، بل في إطالة أمد الصراع ضمن حالة “استقرار هش”، تُدار فيه الأزمة بدل حلها، مع ما يحمله ذلك من كلفة بشرية وأمنية مستدامة.

 

أقلام

سبت, 03/01/2026 - 15:12