
كل حملات الاحتواء في الساحل الإفريقي منذ القرن الماضي كان هدفها كسر العمود الفقري للحركات الوطنية المتمثل في النخب السيادية قبل أن تبلغ بأوطانها مرحلة النضج القادر على إنتاج استقلال فعلي لا شكلي.
بدأ هذا الكسر مبكرًا مع موديبو كيتا في مالي، ثم بلغ المسار ذروته مع اغتيال توماس سانكارا سنة 1987، آخر وأوضح تعبير عن مشروع سيادي جذري في المنطقة، وحتى في موريتانيا كانت مواقف الرئييس هيدالة الحدية من البنك الدولي وامتعاضه من سياسات الاحتواء النيوكولونيالية هي الأخرى جزء من هذا المسار السيادي الساحلي..
ما تلا ذلك كان فراغًا مُلئ بديموقراطيات مسرحية، في إطار هندسة ناعمةللتطلعات الوطنية، حيث فُرضت برامج الإصلاح الهيكلي، وفُكك الاقتصاد المحلي، وخصخصت مؤسسات الوطن وضُربت الأنشطة التقليدية، وتحوّلت الدولة من فاعل منتج إلى وسيط للديون بين الشعب والمؤسسات المالية.
كان ذلك شتاءً صامتًا، بلا دبابات ولا مدافع ، لكنه قاسٍ في نتائجه، إذ جُرّدت المجتمعات من أدوات الصمود، وأُفرغت السيادة من مضمونها الاجتماعي. ومازال هذا الشتاء الصامت مخيما في أجزاء من منطقة الساحل بلا جدال.
لكن الشتاء الأسود الحقيقي الذي ضرب قلب الساحل ومالي تحديدا لم يبدأ إلا بعد سنة 2011، مع انهيار الدولة الليبية حيث انكسر الميزان الأمني في الصحراء الكبرى، فتدفق السلاح، وانفلتت الجماعات المسلحة، وتحولت الصحراء من فضاء عبور إلى مسرح عمليات، وقلب نزاع دولي مفتوح.
في هذا السياق، برزت مالي بوصفها نقطة الارتكاز التاريخية بحكم موقعها الجغرافي والسياسي. بل وفقًا لمنطق ومقتضى نظرية ماكيندر، حيث يُدار الصراع من “قلب اليابسة” للسيطرة على الأطراف، وبهذا أصبحت مالي القلب غير المستقر الذي تُدار عبره الفوضى، ويُبرَّر من خلاله الحضور العسكري، وتُعاد صياغة الخريطة الأمنية للساحل على أساس ما يجري فيه.
لأنه حين عجزت النيوكولونيالية في الساحل عن الاستمرار كمنظومة احتلال خفي، تحولت إلى منظومة فوضى واضطراب، لتبريراستمرار الوصاية المهددة.
ماجد بعد كسر النخب السيادية الأولى والفراغ الذي أعقب ذلك ، هو عودة الصراع الدامي بين روسيا التي تحررت من عبئ الاشتراكية وأوربا الغربيةالتي تعرت من رداء الحرية وشعاراتها الزائفة، فالحرب في أوكرانيا، هي في الواقع حرب إعادة ترتيب لموازين القوة العالمية، وهكذا فإن روسيا، التي باتت تُعدّ أهم حليف دولي للخط السيادي الصاعد في الساحل، تجد نفسها في مواجهة مفتوحة مع الغرب، مما يجعل ساحات النفوذ الثانوية – ومنها منطقة الساحل– مسارح لتصفية الحسابات الجيوسياسية، وكلما طال أمد الحرب في أوكرانيا، ازدادت حدة التنافس على مناطق الارتكاز، وارتفع منسوب الضغط على الدول التي تحاول الفكاك من الوصاية التقليدية.
من هنا، يكتسب تحذير الرئيس البوركينابي إبراهيم اتراوري من "شتاء أسود قادم" معناه العميق، فهو ليس تنبؤًا عسكريًا بحدث وشيك، بقدر ما هو إنذار أخلاقي وتاريخي صادر عن إدراك واعٍ لتعقيد اللحظة وخطورتها، فهذا الزعيم الافريقي العظيم يعلم أن الخط السيادي الذي تحاول بعض دول الساحل شقه اليوم يجري في بيئة دولية شديدة الخطورة، وهو يرى الغيوم الداكنة في سماء المنطقة تزداد كثافة يوما بعد يوم.
لم يعد “الشتاء الأسود” إذن احتمالًا نظريًا، بل مناخًا يخيم بالفعل على منطقة قابلة للاشتعال في أي لحظة، فالخطر لم يعد في اندلاع حرب واحدة كبرى، بل في تراكم أزمات متتابعة تُبقي المنطقة في حالة توتر دائم، قابل للانفجار عند أول صدمة كبرى



.jpeg)

.jpeg)