
تُعد لوحة أيوب سليمان ديالو، التي رسمها الفنان البريطاني ويليام هوار سنة 1733م، من أبرز الأعمال الفنية المرتبطة بتاريخ الأفارقة المسلمين في أوروبا. وتحتل اللوحة اليوم مكانة بارزة في المتحف الدولي للرق بمدينة ليفربول، بوصفها – بحسب خبراء الفن – أول لوحة مرسومة في بريطانيا لرجل إفريقي مسلم.
اللافت في اللوحة هو الكتاب المعلّق على صدر ديالو، وهو أحد ثلاثة مصاحف كتبها من ذاكرته خلال فترة سجنه، في دلالة قوية على رسوخ حفظه للقرآن الكريم وتمسكه بهويته الدينية رغم العبودية.
وُلد أيوب سليمان ديالو سنة 1701م في منطقة بوندو بشرق السنغال، في أسرة مسلمة بارزة في غرب إفريقيا. وقد أظهر منذ صغره ذكاءً لافتًا وذاكرة استثنائية؛ إذ أتم حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ودرس فقه المذهب المالكي حتى أتقنه.
في شبابه، أُسِر ديالو ونُقل قسرًا إلى أمريكا، حيث بيع عبدًا وعمل في مزارع التبغ. وعلى الرغم من قسوة المعاملة التي تعرّض لها، حافظ على التزامه الديني، وكان يخرج إلى الغابات القريبة لأداء الصلوات الخمس. وأثناء إحدى صلواته، تعرّض للإهانة من أحد الأطفال الذي رمى عليه التراب والقاذورات، فحاول الفرار، لكنه أُعيد اعتقاله وزُجّ به في السجن.
وخلال سجنه، كتب ديالو رسالة باللغة العربية إلى والده في إفريقيا، غير أن الرسالة وقعت في يد جيمس إدوارد أوغلثورب، مدير الشركة الملكية الإفريقية وأحد مؤسسي مستعمرة جورجيا. وقد تأثر أوغلثورب بمحتوى الرسالة وببلاغة كاتبها، فساهم في الترتيب لإطلاق سراحه.
وصل أيوب سليمان ديالو إلى إنجلترا سنة 1733م، حيث استُقبل باعتباره رجلًا حرًا، وأثار إعجاب الأوساط البريطانية بثقافته الواسعة، وإجادته للغة الإنجليزية، وحججه القوية في النقاشات الدينية التي خاضها مع قساوسة وأساقفة مسيحيين. وفي زمن كان مشبعًا بالتمييز العرقي، حظي ديالو باحترام نخب المجتمع الإنجليزي، وبرز مثالًا نادرًا لإنسان انتزع كرامته بالعلم والإيمان.
وتلخص اللوحة قصة استثنائية لرجلٍ:
مسلم من غرب إفريقيا، استُعبد وتعرّض للإهانة، ثم نال الحرية والاحترام، دون أن يتخلى يومًا عن هويته الدينية أو كرامته الإنسانية.
لوحة أيوب سليمان ديالو بريشة ويليام هوار ليست مجرد عمل فني، بل وثيقة تاريخية وشهادة حيّة على حضور الإسلام الإفريقي في قلب أوروبا خلال القرن الثامن عشر.



.jpeg)

.jpeg)