ملفُ الفلان: من جرح التاريخ إلى فرصة المصالحة

لو كنت قريبًا من مركز القرار في العام 1987، لاقترحت التواصل مع حكماء المجتمع الفلاني ووجهائه ورؤساء قراه، ومخاطبتهم بلغتهم التي تتفق مع تقاليدهم وقيمهم: "هؤلاء أبناؤكم، وهذه أفعالهم، فانظروا ماذا أنتم فاعلون". ولا غرْوَ، فمجتمع الفلان يتميز بتركيبة هرمية متجذرة، تتداخل فيها الأبعاد الدينية والاجتماعية، مما يجعل احترام هذه المنظومة جزءًا أصيلاً من نسيجهم الثقافي.

 

غير أن الانزياح بالجدل نحو الصراعات الإيديولوجية، وإقحام البلاد في متاهات الصراعات القومية – خاصة بعد انخراط كثير من شباب الفلان في دعاية حركة "فلام"، وتحمس بعض مكونات المجتمع للخطابين الناصري والبعثي – أدَّى إلى دُخول موريتانيا في دوامات سياسية كانت سَبَبًا في تعقيد هذا الصراع. وتحوَّل الملف مع الزمن إلى جرح كامن في الذاكرة الجمعية، ينتظر مقاربة جادة لحلِّه ومعالجة جذور المشكلة الحقيقية، دون الاكتفاء بتضميد سطح جروح نازفة تستنزف كل فرص التعايش السلمي في المستقبل.

 

ولا شك أن السمات الشخصية التي يتمتع بها فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، من حكمة وتوازن ورغبة صادقة في لَمِّ الشمل، تؤهله أكثر من أي وقت مضى لطوي هذه الصفحة بشكل نهائي. وهذا يبدأ حتمًا بإخراج الملف من الفلك السياسي الضيق، وتكليف هيئة من حكماء الفلان ووجهائهم بالحوار المباشر مع ذوي الشأن، للوصول إلى حلول متفق عليها تُجَرِّم استغلال الملف مستقبلاً لأي غرض، وذلك تحت إشراف لجنة وطنية جامعة تضم شخصيات محايدة ومثقفين وممثلين عن مختلف مكونات المجتمع.

 

وأرى أن التوقيت الآن أنسب من ذي قبل، لسببين رئيسيين: أولاً، حاجة المجتمع الدولي، خاصة الشركاء الأوروبيين، إلى موريتانيا مستقرة وآمنة، باعتبارها عنصرًا حيويًّا في مواجهة التحديات الإقليمية. وثانيًا، التحوُّل الحاصل في أولويات بعض الدول المجاورة، التي أدركت مؤخرًا أن استثمارها الطويل في زعزعة الاستقرار لم يعد مُجْدِيًا، بل إن أمنها مرتبط عضوياً باستقرار موريتانيا، خاصة في ضوء المتغيرات السريعة في محيط الساحل.

 

ويبقى الهاجس الأكبر هو أن تظل جهات ما، داخل أروقة السلطة أو خارجها، تستخدم هذا الملف كورقة ضغط متى شاءت. لكن الرياح قد لا تجري بما تشتهي السفن، وقد يتعذَّر التحكم في نار الفتنة إذا ما اشتعلت بشكل لا يمكن احتواؤه.

 

د. امم ولد عبد الله

اثنين, 01/12/2025 - 21:46