الإرث الإنساني / نداء إلى العقل والمسؤولية الوطنية الجماعي

ظلّ ملفّ الإرث الإنساني – الموسوم بالإعدامات خارج نطاق القانون، والاختفاءات القسرية، والانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت بين عامي 1990 و1992 ضد العسكريين السود، والمدنيين، وبعض مجموعات سكان وادي النهر – واحداً من أعمق جروح موريتانيا المعاصرة.

 

وعلى الرغم من عدة محاولات سياسية، يبقى هذا الفصل المؤلم بلا حلّ، وظلّ حساساً ومصدراً لانقسامات وطنية متواصلة. يتقدّم البلد، لكن الندوب تبقى عالقة في الأذهان، رغم أنّها غير مرئية جسدياً: فهذه الذاكرة الجريحة تستدعي الضمير الجمعي، لأن هذا الإرث الإنساني الممتدّ لأكثر من ثلاثين عاماً لا يزال يطارد الحاضر.

 

 

 

الإجراءات الأولى للتسوية تحت حكم محمد ولد عبد العزيز

 

في عهد الرئيس محمد ولد عبد العزيز، تمّ إطلاق مقاربة جزئية للإنصاف تجسّدت في:

•تنظيم صلوات الغائب، خاصة في كيهيدي؛

•صرف تعويضات (الدّية) لمئات الأسر من ضحايا وسكان تلك الفترة المظلمة من تاريخ البلاد؛

•اعتراف رمزي – ولو محدود – بما عانته تلك الأسر.

 

وقد أعلن الرئيس حينها أنه «سوى الملف». غير أنّ جمعيات الضحايا وعدداً من الفاعلين المدنيين اعترضوا على ذلك، مؤكدين أنّ المال لا يمكنه أن يحل محلّ العدالة أو يقدّم الحقيقة.

 

 

 

إعادة إحياء الملفّ من قبل الرئيس الحالي

 

التزم الرئيس محمد الشيخ الغزواني بحلّ ملف الإرث الإنساني وإعادته إلى قلب النقاش الوطني، معلناً عن تخصيص غلاف مالي قدره 27 مليار أوقية لتعويض الأسر والأيتام من الضحايا.

 

وقد أثارت هذه المبادرة نظرتين متباينتين: فهناك من اعتبرها خطوة مسؤولة، بينما رأى آخرون أنها تكرار لمقاربات سابقة اختزلت إشكالية معقدة في تعويض مالي جديد. وقد أحيت المبادرة الجدل كما أثارت أسئلة كثيرة.

 

 

 

مطالب جمعيات الضحايا المستمرة

 

تؤكد جمعيات الضحايا أنّ ملف الإرث الإنساني لا يمكن تسويته دون إطلاق مسار للعدالة الانتقالية يشمل:

•تحقيق العدالة بشأن الجرائم المرتكبة؛

•كشف الحقيقة كاملة: فتح الأرشيفات والاعتراف الرسمي بالمسؤوليات؛

•إقرار يوم وطني للذكرى وترسيخ واجب الذاكرة؛

•ضمانات عدم التكرار من خلال إصلاحات مؤسسية.

 

هذه المطالب ما تزال ثابتة، مشروعة، وغير مستجابة.

 

 

 

مجتمع منقسم بفعل المقاربة الهوياتية

 

إنّ فكرة «تسوية» الملف عبر التعويض المالي فقط تُحدث انقساماً عميقاً:

•فثمة جزء من المجتمع يرى ضرورة طيّ الصفحة والمضي قدماً؛

•وآخر يعتبر تجاهل الحقيقة والعدالة امتداداً للألم؛

•بينما يخشى آخرون من أن يؤدي فتح الملف مجدداً إلى إثارة التوترات المجتمعية الحساسة.

 

وهكذا يبقى الجدل محتدّاً وغير محسوم.

 

 

 

من أجل مقاربة اجتماعية جديدة أكثر كرامة… والحاجة إلى شجاعة سياسية

 

السؤال المطروح اليوم مباشر وثقيل الدلالة:

هل يجب الاستمرار في نهج التعويضات، أم إطلاق مسار كامل للعدالة الانتقالية؟

 

يمكن تصور مسارات واقعية، منها:

•إنشاء لجنة مستقلة لبناء توافق وطني صادق حول المصالحة، توضع تحت وصاية وزارتي العدل والشؤون الدينية، وتتكون من ممثلي أسر الضحايا، ومنظمات حقوقية، وبعض فاعلي المجتمع المدني ممن تتوفر فيهم النزاهة الأخلاقية.

•تحديد خطة عمل واضحة ومهمة دقيقة لهذه اللجنة، تشمل زيارة مناطق الضحايا، والتواصل معهم والتوعية للوصول، لمصلحة الوطن، إلى:

•إقامة أيام وطنية للحوار حول الحقيقة – العدالة – المصالحة؛

•إرساء ذاكرة مشتركة قائمة على الاعتراف والصفح؛

•اتخاذ الإصلاحات المؤسسية اللازمة لمنع تكرار تلك الأحداث؛

•توسيع جبر الضرر ليشمل التعويض المعنوي، وتسهيل التوظيف، ومنح الأراضي، والتعليم، والرعاية الصحية، والولوج إلى القروض الاستثمارية الرمزية بضمان الدولة.

 

 

خاتمة: نداء عميق يستند إلى الإيمان واليقين

 

لا تعبّر هذه السطور عن موقف ظرفي، بل عن قناعة ثابتة تستلهم المبادئ الأخلاقية والإنسانية والروحية للإسلام، مرجعنا المشترك.

 

ولعلّ هذا النداء إلى العقل والعدل والوحدة يفتح الطريق أمام موريتانيا متصالحة، قادرة على التوجّه إلى المستقبل والاستعداد لمواجهة التحديات الأمنية والغذائية والبيئية.

 

وهو دعوة يتحمّل فيها الشعب بجميع مكوناته مسؤولية تاريخية في:

•تسهيل تسوية ملف الإرث الإنساني؛

•ودعم جهود التكيّف المناخي؛

•وبناء القدرة الوطنية على الصمود أمام أخطار قد تصبح غير قابلة للعكس.

 

هاديا أمادو كان

Cridem.org

أحد, 23/11/2025 - 22:28