حين تصبح مكافحة الفساد اختبارًا للحقيقة

أعود إلى هذا الموضوع، عازمًا على الحديث عنه مرة بعد مرة، لأنه يمس جوهر مستقبلنا المشترك. فصدور تقرير محكمة الحسابات حول تنفيذ ميزانيتي 2022-2023، وإقالة نحو ثلاثين من كبار المسؤولين، ليس مجرد حادث إداري عابر، بل هو إشارة قوية، واختبار لصدق النوايا، ولحظة حقيقة في مسار الحوكمة في موريتانيا.

 

فعلى مدى زمن طويل، عاش بلدنا في ظل ثقافة «الغبن والنهب» وقد رُفِعت إلى مقام النظام، حيث تمّ تطبيع نهب الموارد العمومية، وبلغ الأمر أن بعضهم كان يتباهى بتبديد أموال الدولة كما لو كان ذلك وسامَ فخر. اليوم، ولأول مرة، يبدو أن هناك إرادة سياسية واضحة تريد القطع مع هذا المنطق القائم على الانحطاط الأخلاقي والمؤسسي.

 

الأمر لا يتعلّق بمجرد «تنظيف» سطحي، ولا باختيار «أكباش فداء» ظرفيين، بل بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين، وبإعادة تشييد إدارة نزيهة ومسؤولة. فمكافحة الفساد هي حرب على ذهنية معينة، وعلى منظومة كاملة، وعلى فكرة أن كل شيء قابل للبيع أو الالتفاف عليه.

 

هذه البصيص من الأمل، مهما بدا هشًّا، لا ينبغي خنقه، بل يجب تغذيته وحمايته وتقنينه. فالشفافية، وجرد الحساب، ومعاقبة التجاوزات ليست «حركات سياسية» ظرفية؛ إنها شروط بقاء لأي دولة تريد أن تستمر.

 

 

منعطف تاريخي في مكافحة الفساد

 

إن نشر تقرير 2022-2023 الصادر عن محكمة الحسابات يمثّل محطة أساسية في مسار هادئ ومستدام لمكافحة الفساد وممارسات تبديد المال العام. وهو دليل على وجود إرادة سياسية حقيقية وملموسة، لأننا نعلم جميعًا أن الفساد والزبونية قد رُفعا طويلًا إلى مستوى النظام المهيمن، وكادا يُحتفى بهما كمعيار، وأن بعض المتورطين كانوا يتباهون بذلك دون أي حرج.

 

المسألة إذن لا تتعلق فقط بكشف اختلالات مالية، بل بالقطيعة مع ثقافة متجذّرة بعمق، وبمواجهة الذهنية التي سمحت بأن تتحوّل الغش واللا عقاب إلى عادات راسخة، وبإظهار أن الدولة يمكنها ويجب عليها أن تفرض النزاهة والمسؤولية كمبدأين جوهريين في الإدارة العمومية.

 

وإذا ما تم المضي في هذا المسار إلى نهايته، فسيفتح ذلك الباب أمام عهد جديد: عهد الشفافية العملية، والرقابة المنتظمة، والمحاسبة باعتبارها أدوات أساسية للحكم الرشيد.

 

 

 

ضرورة أخلاقية

 

لقد أثار قرار الحكومة نشر قائمة الثلاثين مسؤولاً ساميًا المعنيين بالاختلالات التي كشفتها محكمة الحسابات نقاشات حادة. فالبعض يرى في ذلك انتهاكًا لمبدأ قرينة البراءة، بينما يعتبره آخرون منعطفًا تاريخيًا في مكافحة الفساد.

 

والحقيقة أن هذا التوجّه يجب تقييمه لا من زاوية قراءة شكلية جامدة للنصوص القانونية (تحية أخوية إلى أستاذي المستشار مصطفى اعلِ)، بل في سياق «مرضٍ بنيوي» ظل ينخر الجهاز الإداري الموريتاني منذ عقود.

 

لقد رُفع الفساد وتبديد المال العام إلى مستوى الثقافة، بل إلى مستوى «المؤسسة الموازية»، حيث كان اختلاس الموارد العمومية والزبونية لا يُتسامح معهما فحسب، بل يجري تمجيدهما أحيانًا. ومسؤولون عموميون، يُفترض أن يكونوا حُماةً للمال العام، كانوا يتباهون بذلك، مقتنعين بحصانتهم. هذه الذهنية بالذات هي التي يجب اقتلاعها اليوم من الجذور.

 

في مثل هذا السياق، تصبح الشفافية بالاسم والصفة أداةً للتقويم الأخلاقي لا وسيلةً للتشهير. فهي تندرج ضمن «تربية عمومية» ضرورية: تذكير كل موظف عمومي بأن إدارة المال العام هي تفويض ثقة وليست امتيازًا، وأن إساءة هذه الثقة تجلب العار، وفقدان الشرف، وفي نهاية المطاف العقوبة.

 

لا شك أن احترام قرينة البراءة وسرية الإجراءات يبقى مبدأً أساسيًا من مبادئ القانون. لكن لا يمكن الاستناد إليه لحماية من خانوا الثقة العمومية، أو للإبقاء على حالة التعتيم التي سمحت للفساد بالازدهار. فدولة القانون ليست حصنًا يتحصن خلفه مختلسو المال العام، بل إطار للشفافية والإنصاف والمسؤولية.

 

إن نشر أسماء المسؤولين المتورطين في أفعال سوء تسيير ثابتة، وموثقة، ومبينة في تقارير محكمة الحسابات لا يرقى إلى مستوى «إدانة جنائية»، بل يشكل عقوبة أخلاقية ومؤسسية مشروعة وضرورية لاستعادة ثقة المواطن في الدولة.

 

ومن الضروري اليوم أن يُؤطَّر هذا التوجه ضمن إطار مؤسسي واضح:

 

•نشر منتظم ومنهجي لتقارير محكمة الحسابات والتفتيش العام للدولة؛

•تفعيل السلطة الوطنية الجديدة لمكافحة الفساد؛

•وإرساء آلية لـ«التعيين المسؤول»، أي تعليق مهام أي موظف تُثار حوله شبهات قوية في التلاعب أو الاختلاس، إلى حين أن تقول العدالة كلمتها.

 

في المحصلة، «كشف المسؤولين» ليس انحرافًا شعبويًا، بل ضرورة أخلاقية وجمهورية، وخطوة لصالح المصلحة العامة. فموريتانيا لن تتمكن من إصلاح نفسها إلا بمواجهة الداء في جذوره: ذهنية الإفلات من العقاب. وعندما تكون الشفافية صادقة ومتوازنة ومؤطَّرة قانونيًا، فإنها أسمى أشكال العدالة.

 

والرهان اليوم لا يقتصر على تحديد الأخطاء أو معاقبة الأفراد، بل يتجاوز ذلك إلى عمل عميق لإعادة التأسيس، يهدف إلى تحويل الحوكمة العمومية من الداخل، عبر استبدال ثقافة الافتراس بثقافة الأداء والنزاهة والمساءلة.

 

إن مكافحة الفساد لا يمكن أن تختزل في سلسلة من الحملات الإعلامية أو الإقالات الرمزية. بل تتطلّب إقامة منظومة مؤسسية منسجمة تقوم على ثلاثة أعمدة مترابطة لا تنفصم: التدقيق الدائم، والعقوبة الفعلية، والإصلاح البنيوي.

 

 

 

التدقيق الدائم: الرقابة بوصفها وظيفة حيوية للدولة

 

يجب أن يتوقف النظر إلى الرقابة الداخلية والخارجية على الإدارة على أنها مجرد إجراء بيروقراطي شكلي، وأن تُعامَل باعتبارها أداة استراتيجية للحكم.

 

ينبغي أن تكون محكمة الحسابات، والمفتشية العامة  للدولة، وعمليات التفتيش القطاعية، مترابطة فيما بينها، ومزوّدة بسلطة تحقيق حقيقية، وملزمة بنشر تقاريرها بشكل منهجي.

 

كما ينبغي إخضاع كل قطاع وزاري لتدقيق سنوي في الأداء والامتثال، يُرفَق بخطة تصحيحية. ويجب نشر خلاصات هذه التدقيقات على الملأ، لا بغرض الإذلال، وإنما لتحميل المسؤولية والوقاية من التكرار.

 

 

 

فعالية العقوبة: نهاية الإفلات من العقاب الإداري

 

إن نجاعة أي سياسة لمكافحة الفساد تقوم على يقين العقوبة أكثر مما تقوم على شدّتها. ويجب إعادة تفعيل سلسلة المسؤولية الإدارية والجنائية بكل صرامة.

 

فكل موظف عمومي يثبت تورطه في أفعال اختلاس أو استغلال نفوذ أو محاباة، يجب أن يُحال إلى القضاء المختص، وفقًا لأحكام القانون الجنائي، وقانون الشفافية المالية، والقانون العضوي المنظّم لمحكمة الحسابات.

 

كما أن إنشاء سجل وطني للعقوبات الإدارية والتأديبية، يكون متاحًا لهيئات الرقابة والتعيين، من شأنه أن يحول دون إعادة توظيف الموظفين المتورطين في مناصب حساسة أخرى؛ وهي ممارسة ظلت مقبولة لوقت طويل.

 

 

 

الإصلاح البنيوي: الوقاية قبل العقاب

 

تظل الوقاية هي مفتاح أي معركة مستدامة ضد الفساد. وتقتضي هذه الوقاية إعادة النظر في إجراءات إبرام الصفقات العمومية، والتحوّل الكامل نحو الرقمنة في مسارات الإنفاق، وإرساء تتبع رقمي لكل نفقة عمومية.

 

ويجب أن تكون نظم المعلومات الميزانياتية مدمجة ومترابطة، للحد من مناطق الظل التي يتغذى منها الفساد.

 

وفي الوقت نفسه، ينبغي إعادة الاعتبار لمفهوم الأخلاقيات المهنية في الوظيفة العمومية، عبر التكوين المستمر، ونشر مدوّنة سلوك إلزامية، وفرض التصريح بالممتلكات على الموظفين الذين يشغلون مناصب مسؤولية.

 

وأخيرًا، فإن مشاركة المواطنين تبقى رافعة أساسية. فينبغي إشراك المجتمع المدني، والصحافة الاستقصائية، والمؤسسات الجامعية في تقييم السياسات العمومية. كما يجب أن يصبح الحق في الحصول على المعلومة، الذي تضمنه النصوص القانونية، واقعًا يوميًا وليس مبدأ نظريًا مجردًا.

 

 

حتى تصبح الشفافية ثقافة لا مجرّد هُدنة عابرة

 

إن تقرير محكمة الحسابات والإجراءات الجريئة التي تلته يفتحان، بلا شك، عهدًا جديدًا في الحوكمة العمومية الموريتانية. فلأول مرة منذ زمن طويل، لا تقتصر مكافحة الفساد على خطاب مناسباتي، بل تترجم إلى أفعال ملموسة، مُعلَنة، تطال أعلى مستويات المسؤولية.

 

لكن حتى لا يكون هذا المسار حلقة معزولة، لا بد من إدماجه ضمن استراتيجية دولة، تقوم على مؤسسات قوية، وإجراءات لا رجعة فيها، ويقظة مواطنية دائمة. فالتطهير الإداري، مهما كان ضروريًا، لن يكفي من دون إعادة بناء أخلاقية للوظيفة العمومية، ومن دون تربية مدنية ومؤسسية تُعيد وضع مفهوم خدمة الدولة فوق كل حساب شخصي أو جهوي.

 

لم يعد الوقت مناسبًا للاكتفاء بسخط انتقائي، بل لحظة لإعادة التأسيس الأخلاقي. فالفساد ليس مجرد مخالفة قانونية، بل هو خيانة للعقد الاجتماعي، وإنكار للجمهورية. ومكافحته تعني حماية العيش المشترك، والعدالة، والاستقرار، وكرامة الوطن.

 

يجب إذن أن تواكب الشفافية صرامة قانونية وتربية عمومية. فالتنديد مطلوب، لكن الوقاية ضرورية؛ والعقوبة واجبة، لكن الأهم هو التربية والتقويم. ولن تتمكن موريتانيا من طي صفحة الماضي المظلم للإفلات من العقاب، وفتح صفحة دولة عصرية، عادلة، محترمة وماضية بثبات نحو الإقلاع، إلا بهذا الثمن.

 

إن رئيس الجمهورية، وهو يتحمّل «لحظة الحقيقة»، هذه يفتح أفقًا من الأمل. غير أن هذا الأمل ما زال هشًّا، ولا بد من تدعيمه باستمرارية الفعل، وحماية مؤسسات الرقابة، ورفض كل توظيف أو استغلال سياسي لهذا المسار.

 

في نهاية المطاف، يجب ألا تكون الشفافية لحظة عابرة، بل ثقافة راسخة؛ لا رد فعلٍ انفعاليًّا، بل عقيدة حكم؛ لا استثناءً، بل قاعدة عامة. وبهذه الشروط وحدها ستستعيد موريتانيا ثقة مواطنيها، واحترام شركائها.

 

هارون الربّاني

[email protected]

اثنين, 17/11/2025 - 16:23