
منذ منتصف القرن العشرين، وربما قبل ذلك، تشهد الليبرالية الغربية دورات متكرّرة من الأزمات الأخلاقية الكبرى؛ بدأ من فيتنام وقنابل النابالم الحارقة آنذاك على المدنيين، إلى العراق وفضيحة أبو غريب وغيرها، ثم مؤخرًا الإبادة والحصار ضد النساء والأطفال في غزة.
هذه الأزمات تهزّ صورة النظام الديمقراطي الليبرالي بوصفه حاملًا ـ أو مدّعي حمل ـ مشروع الحرية والإنسانية.
وبالرغم من ذلك، فإن هذه الأزمات، على ضخامتها، لا تُسقط هذه المنظومة ولا تقضي على مبررات استمرارها، وإنما تدفعها إلى إنتاج رموز تطهيرية جديدة تُعيد تشكيل الوعي الجمعي كنوع من “التوبة المُمسرَحة”، مانحةً إياها فرصة تنفّس رمزي قبل استئناف عنفها البنيوي من جديد.
من هذا المنطلق، وبناءً على تكرّر هذه الظاهرة العابرة للأزمات، يمكننا أن نؤكد وجود قانون يفسّرها، يمكن تسميته بـ “قانون التطهير الرمزي للنظام الليبرالي”.
فبعد كل لوثة أخلاقية أو جريمة بنيوية تهزّ صورة الليبرالية أمام العالم، يولّد النظام عبر مؤسساته السياسية والإعلامية والأكاديمية شخصية هجينة متعدّدة الأبعاد والرمزية تُجسّد فعل التوبة الأخلاقية دون أن تمسّ جوهر العنف الهيكلي الذي أنتج الأزمة.
هذه الشخصية، في نظري، لا يمكن أن تكون مصادفة تاريخية، بل ثمرة هندسة واعية؛ تُنحت بعناية لتعبّر عن إمكانية علاج كل جوانب الوجع نفسيًا، إذ تكون نتاج خليط عرقي أو ثقافي أو ديني يجعلها تجسيدًا للمصالحة دون أن تُحدث تغييرًا بنيويًا، بل مجرد استراحة ضمير، تُستدعى رمزيًا لتغطية آثار الجريمة أو الفضيحة.
وغالبًا ما تحظى هذه الظاهرة بدعم المؤسسات الثقافية والإعلامية التي تسوّق صورتها كـ”ضمير جديد للإنسانية” وكـ”انتصار ختامي للحق والنضال”.
لقد جاء جيمي كارتر مثلًا بعد حرب فيتنام واستقالة نيكسون إثر فضيحة ووترغيت، ليعبّر كفلاح متديّن ومسالم، بلغة الإيمان والضمير وحقوق الإنسان، عن ضرورة غسل الذاكرة الفيتنامية واستعادة أخلاقية النظام. وقد نجح كرمز أخلاقي في توفير مناخ مقبول لسدل الستار على حرب فيتنام.
ثم جاء باراك أوباما بعد تدمير العراق وانكشاف الوجه الوحشي للمنظومة الغربية من خلال مشاهد سجن أبو غريب وغيرها، حاملاً خطاب الأمل والتنوّع والمصالحة واستعادة صورة أمريكا كقوة أخلاقية بعد تشويهها من قبل بوش والمحافظين الجدد.
واليوم، ومباشرة بعد الموج البشري العالمي الرافض لما جرى في غزة، يظهر ناقد ليبرالي من داخل المنظومة هو زهران ممداني، ينتمي وطنًا لإفريقيا، وأصولًا للهند، ودينًا للإسلام، وزوجته عربية من سوريا؛ وبالتالي فهو يُقدّم الخلطة المثالية لتطهير اللوثة الليبرالية في المنظومة الغربية.
فهل تستطيع ثورة هادرة أن تأتي بقائد بهذه المركّبات المتوازنة؟
ملاحظات ختامية حول قانون التطهير الرمزي للمنظومة الليبرالية
أولًا: كما تتجدّد الخلايا في الجسد، يحتاج النظام الليبرالي إلى لحظات تطهير رمزية تمنع التكلّس الأخلاقي. وهذا جزء من مرونته وأدوات صموده، ومن أسباب صعوبة الثورات والانقلابات فيه.
ثانيًا: لا يُقدَّم التطهير كإصلاح مؤسسي، بل كقصة شخصية مُلهمة لمناضل من الهامش جاء لينتقم “ممن كانوا السبب فيما حدث”، دون الاقتراب من البنية التي أفرزت ذلك. فكل ما يحدث هو إعادة تغليف البنية بقصة خلاص جديدة.
ثالثًا: يمكن التنبؤ ـ وفقًا لهذا القانون ـ بطبيعة الشخصية التطهيرية القادمة من خلال نوع الأزمة. فإذا حدثت مثلًا أزمة بيئية عالمية في المستقبل يكون لها وقع الأزمة الأخلاقية، فالمرجّح أن يظهر مناضل مثقّف ابن مهاجر من جزر المحيط الهادئ المهدّدة بالغرق بسبب التغيّر المناخي، بحيث يمثّل ضمير الأرض وبراءة الطبيعة. وقِس على ذلك.
رابعًا: أهم ما في هذا القانون أنه يُجسّد قدرة النظام الليبرالي على فهم ذاته، ورؤية أعطابه في مرآته الداخلية، ثم القيام بتصحيحها عبر هندسة رموز مؤقتة. وهذا بالذات ما يفسّر انعدام الثورات التجديدية في الغرب الليبرالي.
خامسًا: يتيح هذا القانون ـ أو بالأحرى عرضنا له ـ فرصة فهم إحدى آليات بقاء النظام الليبرالي، وهي قدرته على تحويل كل فضيحة إلى فرصة لتجديد شرعيته عبر رموز هجينة، سواء فكريًا أو دينيًا أو عرقيًا أو ثقافيًا.



.jpeg)

.jpeg)