
فوز زهران محمود ممداني بمنصب عمدة نيويورك في الرابع من نوفمبر الجاري لم يكن حدثًا سياسيًا عابرًا، بل زلزالًا هزّ المشهد الأمريكي كله, فهو أصغر من شغل هذا المنصب سنًا، وحقق انتصاره التاريخي من دون دعم مالي أو حزبي حقيقي، في واحدة من أكثر المعارك الانتخابية شراسة في تاريخ المدينة.
هذا الفوز غير المسبوق يعكس تحولًا عميقًا في الوعي الأمريكي، خصوصًا في ما يتعلق المواقف التي اشتهر بها ممداني وخصوصاً موقفه من فلسطين وإسرائيل، بعد أن بدأت شرائح واسعة من المجتمع الامريكي تكتشف الوجه الحقيقي البشع للكيان الصهيوني القائم على الإرهاب منذ نشأته.
ولد ممداني لأب مهاجر مسلم، ونشأ في أحياء نيويورك الشعبية بين أبناء الطبقة العاملة والمهاجرين. لم يدخل السياسة من بوابة النخبة أو المال، بل من بوابة الناس, من هناك صعد داخل الحزب الديمقراطي لا ليكون صوتًا على الهامش، بل ليقلب الطاولة في وجه الجميع ويتربع بجدارة في صدر المشهد السياسي الامريكي, عرف عنه جرأته في مواجهة اللوبي الإسرائيلي داخل الحزبالديمقراطي رغم شراسته، في وقت كان مجرد التعاطف مع الفلسطينيين يُعد “انتحارًا سياسيًا”. ومع ذلك، صمد ممداني، وبنى قاعدته الشعبية على الإيمان بالعدالة والمساواة ومناهضة العنصرية، مؤكدًا أن قضية فلسطين جزء من الضمير الأمريكي نفسه.
مدينة نيويورك ليست مدينة عادية؛ إنها عاصمة المال والإعلام والسياسة في العالم. فيها وول ستريت واباطرة الاموال والاعمال، ومقر الأمم المتحدة، وأكبر تجمع يهودي خارج فلسطين المحتلة, ولذلك، فإن فوز ممداني ليس مجرّد انتخاب رئيس بلدية، بل اختراقًا تاريخيًا لأكثر معاقل النفوذ الصهيوني تحصينًا.
فقد اجتمع أكثر من26 مليارديرًا، ورصدوا ما يقارب 22 مليون دولار لتمويل حملات لتشويه صورته، بينما استخدم الرئيس السابق دونالد ترامب نفوذه الشخصي والرسمي لمحاولة منعه من الفوز، مهددًا بقطع التمويل الفيدرالي عن المدينة، وواصفًا ممداني بأنه “شيوعي وكاره لليهود”.
لكن المفاجأة الكبرى كانت في الإقبال الشعبي: أكثر من مليوني ناخب توجهوا إلى الصناديق، في أعلى نسبة مشاركة منذ ستة عقود، وصوّتت الغالبية لممداني، لتُسقط المال السياسي والابتزاز الإعلامي بضربة واحدة.
لم يكن فوز ممداني سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا واجتماعيًا بامتياز. فبرنامجه يهدد مصالح الأثرياء الكبار في المدينة، إذ يدعو إلىتخفيف سيطرة المليارديرات شبه المطلقة على مفاصل الحياة في المدينة وخصوصاً على البنوك والشركات واسواق المال ورفع الضرائب على هؤلاء لتمويل الخدمات العامة للطبقتين المتوسطة والدنيا, كما يدعو الى جعل النقل العام مجانيًا وتجميد الإيجاراتوتخفيف تكاليف المعيشة المتصاعدة.
هذه الإجراءات تمسّ مباشرة مصالح أباطرة المال الذين يسيطرون على المدينة ومعظم عقاراتها منذ عقود، ولهذا لم يكن غريبًا أن يتحالف هؤلاء مع الصهاينة لمحاربته بلا هوادة.
فوز ممداني هو انعكاس مباشر لتغير المزاج الأمريكي، خاصة بين الشباب الذين خرجوا بمئات الآلاف في تظاهرات مؤيدة لفلسطين منذ حرب اسرائيل على قطاع غزة منذ اكثر من عامين.
جيل جديد من الأمريكيين بات يرى أن إسرائيل ليست حليفًا استراتيجيًا بل عبئًا اقتصادياً وأخلاقيًا وسياسيًا على الولايات المتحدة، وأن دعمها اللامحدود لم يعد مقبولًا في زمن تتكشف فيه الحقائق عبر الإعلام الرقمي ومنصات التواصل.
لطالما هيمن الجناح المحافظ المؤيد لإسرائيل بلا حدود داخل الحزب الديمقراطي على قراراته، لكن صعود التيار التقدّمي , مثلألكساندريا أوكاسيو كورتيز إلى رشيدة طليب وإلهان عمر وصولًا إلى زهران ممداني, بدأ يحدث تصدعات حقيقية في جدار هذا الولاء الاعمى التقليدي لتل أبيب.
استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن نحو نصف الناخبين الديمقراطيين الشباب يرفضون دعم أي مرشح يتلقى تمويلًا من اكبر واخطر لوبي إسرائيلي في واشنطن “ايباك”، وهو تحول جذري لم يكن متخيلًا قبل سنوات قليلة فقط.
لم يعد الدفاع عن فلسطين في الولايات المتحدة “خطرًا سياسيًا”، بل أصبح موقفًا تقدميًا مشروعًا.
وصعود ممداني إلى منصب عمدة أكبر مدينة أمريكية يؤكد أن الوعي الشعبي سبق المؤسسة السياسية، وأن زمن احتكار اللوبيات الصهيونية للقرار الأمريكي بدأ يتآكل.
لقد حمل ممداني إلى قاعة العمدة أصوات الشارع الأمريكي الغاضب من الكيل بمكيالين، ليقول بصوت واضح: "العدالة لا تتجزأ، لا في غزة ولا في نيويورك".
اخر الكلام:
انتخاب زهران ممداني عمدة لمدينة نيويورك ليس حدثًا انتخابيًا عابرًا، بل لحظة تحوّل في التاريخ السياسي الأمريكي, وإعلان ولادة جيلٍ جديد من الساسة الأمريكيين الذين يربطون بين العدالة داخل بلادهم والعدالة في العالم، ويضعون قيم حقيقية تطبق على الجميع.
صحيح هذا التحول قد بدأ من نيويورك، وعلى الارجح ان صداه لن يتوقف عندها, بل سيمتد ليعيد رسم خريطة الوعي السياسي في الولايات المتحدة كلها وحتى الى ما بعدها.
د. سمير الددا
[email protected]



.jpeg)

.jpeg)