محكمة الحسابات في مواجهة تحدّياتها

في خطوة غير مسبوقة منذ أكثر من ثلاثة عقود، نشرت محكمة الحسابات الموريتانية تقريرها العام الجديد الذي يغطي سنتي 2022 و2023، وهو الثاني من نوعه بعد التقرير الصادر سنة 2023 والمتعلق بالفترة 2019–2021. وقد أثار نشر التقرير نقاشًا وطنيًا واسعًا، ما يعكس ارتفاع وعي المجتمع بأهمية مراقبة المال العام. أما ردود الفعل الغاضبة للرأي العام، التي نقلتها الصحافة والمجتمع المدني، فقد أظهرت تعطّشًا واضحًا للشفافية والعدالة المالية. تدخل رئيس المحكمة لتهدئة التوتر لم يخفف من حدة الجدل، بل زاد الضغط الشعبي على الحكومة، مؤكداً الطابع السياسي والديمقراطي للتقرير.

 

إن نشر هذا التقرير، الذي أصبح إلزاميًا بموجب المادة 67 من القانون العضوي رقم 2018-032 الصادر بتاريخ 20 يوليو 2018، يُعدّ خطوة كبيرة نحو ترسيخ المساءلة والشفافية في تسيير الشأن العام.

 

 

هيكلة متماسكة ونقائص شكلية

 

يتميّز التقرير، الذي يمتد على نحو 400 صفحة، ببنية متماسكة ومحتوى شامل، لكنه يفتقر إلى ملخص تنفيذي واضح يلخّص أبرز الملاحظات والمخاطر والتوصيات. كما أن إضافة جداول مقارنة ورسوم بيانية وموجزات قطاعية كانت ستجعل التقرير أكثر سهولة للفهم من قبل البرلمانيين والصحفيين والمواطنين.

 

من حيث المضمون، تؤكد المحكمة من جديد دورها الدستوري كمؤسسة مستقلة، وحرصها على الالتزام بمعايير المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية العامة (INTOSAI). وقد وثّقت المحكمة، بدقة مهنية، العديد من المخالفات في قطاعات استراتيجية مثل التعدين، الصحة، التعليم والبنى التحتية، وأوصت بجملة من الإجراءات:

- تعزيز الرقابة الداخلية،

- احترام مدونة الصفقات العمومية،

- تحسين التخطيط المالي،

- ترشيد الإنفاق العام.

 

 

ضعف الكفاءة الميزانياتية

 

رغم هذا الزخم، لم يُصدر التقرير رأيًا مؤهلًا حول صدقية وموثوقية الحسابات العمومية، وهو ما يشكّل أبرز نقاط ضعفه. فشهادة المحكمة على الحسابات تُعدّ ركيزة أساسية لرقابة البرلمان على الميزانية، إذ إن غياب مصادقة مستقلة على الحساب العام للدولة (CGE) يعني أن البرلمان يعتمد على بيانات صادرة عن وزارة المالية دون ضمان كافٍ لدقتها، مما يُفرغ مبدأ الرقابة المالية من محتواه الديمقراطي.

 

وفي الممارسات الدولية، تشكل المصادقة على الحسابات الحلقة الرابطة بين المساءلة الإدارية والمسؤولية السياسية، لأنها تتيح للنواب محاسبة الحكومة على أساس بيانات موثوقة، وللرأي العام تقييم الاستخدام الحقيقي للموارد العمومية.

 

ويعرض الباب الأول من التقرير، المخصص لتنفيذ قوانين المالية، بيانات وزارة المالية دون إبداء أي تحفظات أو رأي تقويمي، مشيرًا إلى ضعف فعالية التخطيط المالي، بطء تنفيذ الاستثمارات، وتعدد التحويلات بين بنود الميزانية، وهي مؤشرات واضحة على ضعف الكفاءة الميزانياتية. لكن هذه الملاحظات تظل أقل قوة من نتائج تدقيق مالي شامل، ما يجعل من الضروري أن تُركّز المحكمة جهودها على إنشاء نظام متكامل للمصادقة على الحسابات العمومية، انطلاقًا من ميزان افتتاحي موثوق، وبنية رقابة داخلية قوية، ومحاسبة على الأصول وفق معايير موحدة.

 

 

غياب المتابعة القضائية

 

كما يسلط التقرير الضوء على قصور في الرقابة القضائية، رغم أنها من صميم اختصاصات المحكمة. فالمحكمة تعترف بأنها لم تبدأ بمحاكمة حسابات بعض المحاسبين العموميين إلا في سنة 2023، من دون نشر  حجم المبالغ المسترجعة. هذا الصمت يغذي الإحساس بالإفلات من العقاب ويُعمّق فقدان الثقة العامة.

 

وينص القانون العضوي (المادة 30) بوضوح على أنه إذا اكتشفت المحكمة أثناء عملياتها مخالفات جسيمة في التسيير، فعليها إبلاغ النائب العام لإحالة الملف إلى الغرفة المختصة. إلا أن غياب المتابعات القضائية في عدد من الملفات التي وثّقت فيها مخالفات كبيرة يطرح تساؤلات جادة حول فعالية الدور القضائي للمحكمة وحدود تأثيره.

 

 

رقابة داخلية أكثر فعالية

 

يخصص التقرير أيضًا محورًا مهمًا لموضوع الرقابة الداخلية، التي يعتبرها “ضعيفة وغير منظمة بما يكفي”. فمعظم الوزارات والمؤسسات العمومية تفتقر إلى أنظمة رقابة داخلية فعالة وإلى تنسيق كافٍ مع المفتشية العامة للدولة والمفتشية العامة للمالية. ورغم تشخيص هذه الاختلالات، فإن المحكمة لم تصدر رأيًا مؤهلًا بشأن كفاءة النظام الوطني للرقابة الداخلية بسبب غياب تفويض صريح لها بالمصادقة ونقص الإطار المنهجي الموحّد.

 

لكنها أوصت باعتبار تحسين الرقابة الداخلية أولوية وطنية، لأنها شرط مسبق لموثوقية الحسابات العمومية وللشروع في عملية المصادقة المستقبلية.

 

وبصفتي كنت من واضعي التعميم الحكومي لسنة 1993 المنشئ لجهاز التفتيش الداخلي، ارى أن الرقابة الداخلية غالبًا أكثر فعالية من الرقابة الخارجية (على غرار محكمة الحسابات) في حماية ممتلكات الدولة، لأنها تتدخل في المراحل الأولى وأثناء سير العمليات الإدارية، وليس بعد وقوع التجاوزات.

 

 

فجوة بين الطموح والقدرات

 

من جهة أخرى، أدى القانون العضوي لسنة 2018، الذي وسّع صلاحيات محكمة الحسابات لتشمل تقييم السياسات العمومية ومراقبة المؤسسات والجماعات المحلية، إلى خلق فجوة بين اتساع المهام وضعف القدرات الفعلية للمحكمة.

 

ورغم امتلاكها نواة صلبة من القضاة الماليين، إلا أن المحكمة تعاني من نقص الكفاءات التقنية المتخصصة (خبراء تكنولوجيا المعلومات، محاسبون قانونيون، اقتصاديون قطاعيون)، إضافة إلى ضعف في الوسائل اللوجستية والتقنية الحديثة.

 

وتبدو آفاق المصادقة على الحسابات العمومية بحلول عام 2026، رغم رمزيتها وأهميتها الإصلاحية، صعبة التحقيق من دون دعم فعلي في الموارد البشرية والتكوين والأدوات الرقمية.

 

 

نحو منظومة رقابة متكاملة

 

ولتثبيت مكانتها كفاعل محوري في منظومة الحوكمة العمومية، تحتاج المحكمة إلى إعادة تركيز مهامها الأساسية على الرقابة القضائية والمصادقة على الحسابات، مع تعزيز التعاون مع أجهزة الرقابة الداخلية.

 

إن التكامل بين الرقابتين الداخلية والخارجية يشكل حجر الزاوية في بناء نظام مساءلة فعّال. فالمصادقة المستقلة على الحسابات تمنح البرلمان والرأي العام ضمانًا موثوقًا حول صدقية المالية العامة، وتحول تقرير محكمة الحسابات من مجرد أداة تنبيه إلى أداة حقيقية للحكم الديمقراطي الرشيد.

 

محمد ولد أحمد الطلبة

Le Calame

ترجمة: أقلام

خميس, 30/10/2025 - 11:29