من التعيين إلى التشهير: مسار المفسدين في الذاكرة الرقمية

شكَّل توزيع المناصب عبر حلقات عائلية مغلقة أحد أهم مظاهر الفساد. لذلك، كان أي مسؤول يُختار بناءً على مكانته الاجتماعية، التي هي في الحقيقة امتداد غير مباشر لشرعنة إنفاق المال العام على المقربين، لضمان ولائهم.

وهكذا تكوَّنت لدينا لوبيات تمتلك ثروات هائلة تعتمد على التلميع الإعلامي، الذي جعل البعض يدفع بسخاء لصحافة تمتهن الدعاية المخالفة لكل مبادئ مهنةٌ يُفترض بها أن تكون كاشفةً لكل الاختلالات الناجمة عن سوء التسيير.

اليوم، سيجل التاريخ لرئيس الجمهورية السيد: محمد ولد الشيخ الغزواني أنه استطاع بقوة وجرئة نادرة كشف المستور، لتختلط بذلك  أوراق كثيرة، ويتغير مفهومنا للمناصب السامية، التي كانت تُعتبر غنيمةً يتهافت الجميع لتهنئة صاحبها، ويستنكر البعض حرمانه منها. لدرجة أن المواقف السياسية المعارضة كانت في الغالب ردة فعل على حرمان البعض من حصة في المال العام.

الكل في هذه الأرض يبحث عما يسمونه بـ: "الفظة الباردة"، ميزانيات تتحول في لمح البصر إلى جيوب خاصة دون رقيب أو حسيب، لتمنحك جاه السلطة ونفوذ أصحاب الأموال.

عادةً ما يجمع البشر المال بطرق غير شرعية لاكتساب مكانة في مجتمعاتهم، لكن أن يتحول ذلك المال إلى سببٍ لاستحقارهم، فتلك كارثة لها أصداءها المؤلمة التي تمتد لقرون. 

إن التشهير بالمفسدين يشكل ضربةً قاضية؛ ليس بسبب الإعفاء من المناصب فحسب، بل إن ارتداداته تنتشر بقوة في المخيلة الجمعية محدثة انطباعا سلبيا قد يتبع صاحبه إلى الأبد،  فتخيل أن أبناءك يُبغَضون بسببك في المدارس وفي الشوارع، وصورك تملأ مواقع التواصل، والجميع يستمتعون بالتشفي فيك، لأنك ضيعت أموالهم بعد أن حملوك مسؤوليتها.

الخطير  الأمر أن هذه المعلومات ستبقى محفوظة في الذاكرة الرقمية، بمعنى أن لعنة الفساد قد تصل إلى أحفاد أحفادك. زِد على ذلك السؤال الأكثر إحراجًا من رب يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور: "من أين اكتسبتَ هذا المال؟ وفيمَ أنفقته"؟

د.أمم ولد عبد الله

 

أربعاء, 22/10/2025 - 17:51