التنمية المؤجلة: كيف كبّد تأخير المشاريع الاستراتيجية موريتانيا أكثر من 8.5 مليار دولار وأضاع عقداً من النمو

في اقتصاد ناشئ كاقتصاد موريتانيا، الوقت ليس مجرد عامل زمني، بل رأس مال وطني.

وخلال العقد الماضي، تحوّلت عادة تأجيل المشاريع الكبرى إلى مرض صامت ينخر جسد الدولة دون أن يُرى أثره فوراً.

لكن الحسابات اليوم تفضح الخسارة: 8.5 مليار دولار من الفرص الضائعة بين 2015 و2025 — أموال كان يمكن أن تغيّر وجه الاقتصاد، وتخلق آلاف الوظائف، وتحوّل موريتانيا من مستورِدة للطاقة إلى منتجة ومصدّرة لها.

 

 

أولاً: فاتورة الاستيراد — نزيف مستمر للعملة الصعبة

 

تنفق موريتانيا سنوياً نحو 644 مليون دولار على استيراد المشتقات النفطية (بنزين، ديزل، فيول، وقود طائرات)، أي ما يعادل 3.86 مليار دولار خلال ست سنوات فقط.

هذه المبالغ تُحوّل للخارج بدلاً من استثمارها في مصافٍ وطنية أو مشاريع للطاقة المحلية.

 

النتائج المباشرة:

 

-استنزاف احتياطي النقد الأجنبي (كما أظهر رصيد صندوق الإيرادات النفطية FNRH).

-ارتفاع الأسعار الداخلية بتأثير تقلبات السوق العالمية.

-تعطيل الاستثمار في مشاريع الغاز والطاقة الشمسية.

 

المفارقة: في الوقت الذي تُهدر فيه هذه المليارات على الاستيراد، تمتلك موريتانيا احتياطات غازية كبرى في “السلحفاة الكبرى” و”بير الله”، قادرة على إنتاج أكثر من 10 ملايين طن من الغاز المسال سنوياً لو تم تسريع استغلالها.

 

 

 

ثانياً: الكهرباء المفقودة — ثمن التردد في التحول للغاز

 

منذ 2015، ما تزال محطات الكهرباء تعمل بالوقود الثقيل (HFO) المكلف والملوِّث. كان يمكن ببساطة تحويلها إلى الغاز المحلي وتوفير مئات الملايين من الدولارات.

 

أرقام صادمة:

-محطة 180 ميغاواط وحدها كلّفت أكثر من 280 مليون دولار إضافية في التشغيل خلال تسع سنوات.

-الاستمرار في استخدام الوقود الثقيل HFO حرم البلاد من تمويلات خضراء محتملة من البنك الدولي وصناديق المناخ.

-الانبعاثات الناتجة تجاوزت 400 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون CO₂ سنوياً.

 

تقرير محكمة الحسابات 2022–2023 أكّد أن سياسة الطاقة تعاني من غياب رؤية استراتيجية، وأن شركة صوملك فشلت في التحول إلى الغاز بسبب سوء التخطيط وضعف التنسيق مع وزارة البترول والطاقة والمعادن.

 

 

 

ثالثاً: الفرص الصناعية المهدورة — حين يتأخر الغاز يتوقف التصنيع

 

تأخير مشروع الغاز المتكامل لم يؤخر إنتاج الطاقة فحسب، بل أجهض فرصاً صناعية واعدة:

 

صناعات ضائعة:

-مصنع تكوير خام الحديد: خسارة 240 مليون دولار.

-مصنع الأسمدة الفوسفاتية: خسارة 180 مليون دولار.

-مصنع الصلب (310 ميغاواط): خسارة 500 مليون دولار.

 

إجمالي الفرص المهدورة: نحو 1.66 مليار دولار.

 

المحكمة اعتبرت أن “تأخر استغلال الغاز الوطني أدى إلى فشل خطط تطوير الصناعات التحويلية المرتبطة به”، وأشارت إلى غياب سياسة متكاملة للربط بين الغاز والصناعة والمعادن.

 

 

رابعاً: المحتوى المحلي الغائب — قانون بلا تنفيذ

 

رغم وجود تشريعات للمحتوى المحلي، فإنها بقيت حبراً على ورق.

أكثر من 90٪ من العقود والخدمات الهندسية تذهب لشركات أجنبية، فيما تبقى الكفاءات الوطنية على الهامش.

 

النتائج:

-تهميش المقاولين الوطنيين.

-غياب برامج تدريب حقيقية.

-حرمان الاقتصاد من العوائد المحلية.

-بطالة شبابية تتجاوز 20٪.

 

التقرير ذاته أشار إلى “تواطؤ بعض المسؤولين” وقبولهم بنوداً مجحفة في العقود النفطية، وضعف قدرات التفاوض لدى الجانب الموريتاني.

 

 

خامساً: التنمية المعطلة — حين يفقد المستثمر الثقة

 

التردد المزمن في اتخاذ القرارات الاستثمارية أفقد موريتانيا ثقة المستثمرين الدوليين.

 

النتائج:

-تراجع تصنيف البلاد في مؤشرات الجاذبية الاستثمارية.

-عزوف البنوك التنموية عن التمويلات طويلة الأجل.

-فقدان فرص استثمارية تقدّر بـ أكثر من 2 مليار دولار.

 

تقرير محكمة الحسابات حذّر من أن ضعف الحوكمة في قطاع الطاقة والمعادن “يهدد بتقويض الثقة الدولية في الشراكات المستقبلية”.

 

 

سادساً: الطريق إلى الأمام — من التبعية إلى السيادة الاقتصادية

 

موريتانيا أمام مفترق طرق:

إما البقاء رهينة التأجيل، أو التحول إلى اقتصاد إنتاجي وسيادي عبر:

1.تسريع تنفيذ مشروع الغاز المتكامل (GTA – BirAllah).

2. إنشاء صندوق وطني للمحتوى المحلي والصناعات الغازية.

3. تطوير صناعات تحويلية (GTL، ميثانول، أمونيا، صلب).

4. فرض نسبة 30٪ لمشاركة الشركات الوطنية.

5. ربط الغاز بالتحول الأخضر والهيدروجين الأزرق.

 

 

 الخلاصة: عقد ضائع… وآخر يجب إنقاذه

 

ثمانية مليارات ونصف دولار ليست مجرد رقم — إنها قيمة الفرص المؤجلة والسيادة المؤجلة.

تقرير محكمة الحسابات الأخير لم يكن وثيقة تقنية فحسب، بل شهادة رسمية على فشل الحوكمة الطاقوية.

الرد المطلوب ليس خطاباً جديداً، بل إرادة تنفيذية تُحوّل الثروة الغازية إلى تنمية وطنية مستدامة.

 

 موريتانيا لا تحتاج إلى وعود إضافية، بل إلى قرار حقيقي يضع ثروتها في خدمة أبنائها.

 

محمد ولد نور الدين

مهندس في مجال الطاقة

اثنين, 20/10/2025 - 09:01