تقرير محكمة الحسابات الأخير : محاولة قراءة

مع اعترافي بعدم الاختصاص في المجال المالي، إلا أنّ عملي خلال عقدين من الزمن داخل الجمعية الوطنية أكسبني قدراً من الخبرة في قراءة المواد الميزانوية وتحليلها.

 

عادةً ما يتضمن عرض أسباب مشروع ميزانية الدولة استعراضاً للوضعية الاقتصادية العالمية، وجهود الحكومة في مواكبة الإصلاحات الماكرو-اقتصادية، والحد من التضخم، ودعم البنية التحتية، وضبط الدين العمومي، وتوقّع معدلات النمو، إلى غير ذلك من المبررات التي تُقدَّم لإقناع السلطة التشريعية بالمصادقة عليها، باعتبارها الجهة الوحيدة المخوّلة دستورياً بتحديد ميزانيتها وإقرارها.

 

لاحظت منذ البداية تشابهاً كبيراً بين إعداد التقرير العام وإعداد ميزانية الدولة، سواء في شكل الجداول، أو تقسيم المواد والأبواب، أو في المقارنات بين المحاصيل السابقة والحالية. ولعلّ لهذا التشابه ما يبرّره، إذ إنّ دراسة الوضع المالي تتطلب معرفة دقيقة بأدواته ومكوناته.

 

أما التمهيد الوارد في التقرير، فقد بلغ سبع عشرة صفحة، وهو حجم قد تفرضه شمولية الدراسة والمنهجية المتبعة. كما تشير الوثائق إلى أن لجنة التقرير والبرامج تداولت في جلستها بتاريخ 17 ديسمبر 2024، بينما انعقدت غرفة المشورة بالمحكمة بتاريخ 18 يونيو 2025، أي بفارق زمني يناهز ستة أشهر، لا أعلم إن كان يدخل ضمن الآجال المعمول بها أم تفرضه مقتضيات العمل المؤسسي.

 

حاولتُ مطالعة أبرز عناصر التقرير، وإن لم أتمكن من قراءته كاملاً لصعوبته وتخصصه الفني، وعليه فإن ملاحظاتي عامة وقد لا تكون دقيقة تماماً. ركزت على ما يمكن فهمه من قراءة أو قراءتين، فكانت الملاحظات التالية:

 

 

 

أولاً: الإيرادات الضريبية

 

الإيرادات الضريبية العامة بلغت 98,63% من التوقعات.

الضرائب على الأرباح والدخول: 105,43%.

الضرائب على التجارة والمعاملات الدولية: 90,64%.

الرسوم على السلع والخدمات: 95,13%.

لم يبيّن التقرير (أو على الأقل في الجزء الذي اطلعتُ عليه) المبالغ المتوقعة لكل فئة من هذه الإيرادات، وهو ما كان سيساعد على دقة المقارنة.

 

أما الضرائب على الرواتب والأجور والمعاشات فقد بلغت 105,67%، ويُرجَّح أن سبب ارتفاعها هو تحصيلها من المصدر، بما يقلّص فرص التهرب الضريبي.

 

 

ثانياً: التحصيل والإصلاحات المحاسبية

 

أظهر تنفيذ الإيرادات الملحقة بمشروع قانون التسوية عدم تحصيل أي مبالغ تحت الفصلين المتعلقين بـ«اليد العاملة» و«الملكية ونقل الملكية» (الفصل 13: الضرائب العقارية والمعاملات العقارية).

وقد برّرت وزارة المالية ذلك بكونها مسجَّلة في الحساب العام للضريبة الجزافية الدنيا، في إطار الإصلاحات الجارية على مستوى أنظمة المعلوماتية.

 

كما لوحظ عدم القيام بالتعديلات الضرورية لتسجيل الفئات الجديدة التي أُنشئت بموجب القانون رقم 018-2019 الصادر بتاريخ 24 إبريل 2019 المتعلق بالمدونة العامة للضرائب.

ويُطرح التساؤل هنا: هل وجود لجنة لمواءمة المخطط المحاسبي مع تبويب الميزانية والمدونة العامة للضرائب والجمارك يُعد مبرراً كافياً لعدم التحديث؟

 

ورغم ذلك، أقرت المحكمة بوجود تحسينات طفيفة كانت قد أوصت بها في تقارير سابقة.

 

 

ثالثاً: تفاصيل ضريبية إضافية

الضريبة على المرتبات والأجور والمعاشات

التوقعات: 5.478.666.243

المحصل: 5.789.375.374

الفائض: 310.709.131

نسبة التحصيل: 105,67%

الزيادة مقارنة بالسنة السابقة: 780.113.417

 

رسوم اليد العاملة

التوقعات: 56.766.768

المحصل: لا شيء وفق الحساب العام للإدارة المالية

لم يُحصَّل أي مبلغ من رسوم التمهين المنصوص عليها في المواد (150 إلى 158) من المدونة العامة للضرائب

ويؤكد القطاع الخاص أنّها سُجلت في حساب التحويل الخاص بصندوق التكوين المهني، وهو ما لا يتطابق مع التبويب الميزانوي المعتمد (نقلاً عن التقرير)

 

رابعاً: الدين العمومي

 

 

سجل الدين العمومي ارتفاعاً طفيفاً من 3.192.738.068 سنة 2022 إلى 3.201.296.559 سنة 2023، أي بنسبة 0,27%.

 

فوائد الدين الخارجي: 2.364.614.089 سنة 2023

فوائد الدين الداخلي: 836.682.469

 

 

بلغ رصيد الدين الخارجي للدولة (باستثناء «اسنيم» والبنك المركزي) 4,021 مليار دولار أمريكي سنة 2023، متراجعاً قليلاً عن سنة 2022 التي بلغ فيها 4,058 مليار دولار.

أما تركيبة الدين الخارجي:

 

ديون متعددة الأطراف: 63%

ديون ثنائية الأطراف: 37%

 

تسديد الدين الخارجي:

 

سنة 2023: 13.666.328.368 أوقية، أي ما يعادل 316,8 مليون دولار أمريكي (بحسب البنك المركزي).

سنة 2022: 10.419.051.674 أوقية، أي 293,2 مليون دولار أمريكي، ما يعني ارتفاعاً ملحوظاً في السداد.

 

 

يُعتبر هذا التقرير ذا أهمية قصوى، ليس فقط لما يتضمنه من بيانات مالية دقيقة، بل لما يعكسه من إرادة سياسية واضحة في ترسيخ مبادئ الشفافية والصرامة في تسيير المال العام.

فلا يمكن لميزانيةٍ أن تنهض بمهمتين متناقضتين في آن واحد: إثراء البعض وتحقيق التنمية الاقتصادية.

 

ومع ذلك، من الضروري التمييز بين سوء التسيير والأخطاء الميزانوية – وهي أخطاء غير محمودة لكنها قابلة للإصلاح – والاختلاس أو الإثراء غير المشروع، وهو أمر يرقى إلى الفساد ويستوجب المساءلة.

 

ويبدو من توجهات السلطات العليا أنه لا تساهل في هذا المجال، وهو ما يُبشّر بمزيد من الإصلاح والانضباط المالي.

 

وإنما أوردت هذه الملاحظات لا ادعاءً للاختصاص، بل تحفيزاً للمتخصصين – وهم كُثر – لقراءة التقرير بعمق، وإبداء آرائهم العلمية خدمةً للصالح العام.

 

 

 

هل ترغب أن أُعدّ نسخة مختصرة من هذا النص في شكل مقال رأي صحفي أو مذكرة تحليلية (بحدود صفحة واحدة) لسهولة النشر؟

خميس, 16/10/2025 - 09:10