من الأمل إلى الخيبة: قراءة نقدية في مذكّرات عبدي ولد حرمة ويوميات دولة معطَّلة

لقد أنهيت لتوي قراءة كتاب السيد عبدي ولد حرمة بعنوان: "من الأمل إلى الخيبة: يوميات دولة معطَّلة – مذكّرات موظف سامٍ موريتاني (1986–2023)"،

وأود في هذه السطور أن أشارك بعض الانطباعات النقدية حوله.

 

منذ الصفحات الأولى من يوميات دولة معطَّلة يدرك القارئ أن المؤلف لا يسعى إلى ممارسة السياسة بمفهومها الحزبي الضيق.

أحكامه المختصرة، المصوغة على شكل ملاحظات موجزة، تشبه تقارير تُوجَّه إلى صناع القرار الذين لا يميلون إلى الخطابات الطويلة.

لكن لهذا الأسلوب الموجز ثمنٌ: إذ إن الأسباب العميقة لـ«التعطيل» تُلمَح أحيانًا ثم تُطوى سريعًا، تاركةً القارئ متعطشًا لفهم تشابك المسؤوليات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية.

ومع ذلك، فهذه المقاربة بالذات هي ما يمنح الكتاب نبرته الخاصة: وضوح ذهني بارد، خالٍ من الأيديولوجيا، يدعو إلى التفكير لا إلى الجدل.

 

في هذا السياق، يعرض عبدي ولد حرمة أحكامًا صادقة لكنها قابلة للنقاش.

فهو الموظف السامي الذي خدم تحت رئاسة عدة رؤساء، لا يخفي نقده الصارم أحيانًا للأنظمة المتعاقبة، لكنه يسعى إلى الإنصاف عبر إبراز إنجازاتها أيضًا.

قراءته لفترة ولد الطايع مثلًا تتميّز بصرامة تحليلية؛ فهو يسلط الضوء على انسداداتها وانحرافاتها، لكنه يعترف في الوقت نفسه بإنجازات الرئيس الراحل وبمكانته، مقدمًا له في النهاية صورة متوازنة بل ومشرّفة.

 

وتتجلى الموضوعية ذاتها في تناوله فترات الرؤساء:

إعلي ولد محمد فال (مرحلة انتقالية 2005–2006)،

سيدي ولد الشيخ عبد الله (محاولة لحكم مدني هادئ)،

محمد ولد عبد العزيز (دبلوماسية هجومية وواثقة)،

ومحمد ولد الشيخ الغزواني (استراتيجية تهدئة وتقدم اجتماعي ملموس).

لكلٍّ منهم يحدّد المؤلف بإتقان مواطن القوة والضعف، من دون محاباة أو عداء.

 

ويظهر من خلال الكتاب أن عبدي ولد حرمة فاعل أساسي في التاريخ الإداري الموريتاني.

فنظره الإداري يبدو جليًا في تحليله لفترة المرحلة الانتقالية 2005–2007، التي شارك خلالها كعضو في الحكومة ووزير دولة مكلَّف بالحالة المدنية، وهي وظيفة يصفها بـ«غير المسبوقة».

ورغم أن هذا التوصيف قد يثير التساؤل، فإن الكتاب يُظهر بوضوح أن المؤلف كان بالفعل من أبرز مهندسي إصلاح الحالة المدنية إن لم يكن رائدها الأول.

 

 

 

حسٌّ دقيق بالتفاصيل

 

تُظهر الصفحات الخاصة بإصلاح الحالة المدنية شغفًا بالتوثيق والدقة.

فالإصلاح الذي بدأ أواخر التسعينيات بلغ ذروته سنة 2001 بإدخال بطاقة الهوية المؤمَّنة، وهي خطوة أحدثت تحولًا عميقًا في المشهد السياسي، إذ مكّنت المعارضة من زعزعة هيمنة حزب PRDS في أحياء نواكشوط الشعبية ومدن كنواذيبو وازويرات.

يروي المؤلف مراحل هذا التحول بدقة، مقدمًا أرشيفًا حيًا لبناء الحالة المدنية الموريتانية الحديثة.

 

وفي ما يخص اللامركزية، يؤكد الكاتب –وهو خبير معروف في هذا المجال– أن أحد أبرز أسباب تعطّل الدولة الموريتانية يكمن في فشل التنمية المحلية الناتج عن المركزية المفرطة التي كبّلت المبادرات.

كما يتناول ما يسميه «الانحراف العقاري»، أي سوء إدارة المجال الترابي، خاصة في نواكشوط ونواذيبو، حيث تحوّل الحزام الأخضر المهمل في العاصمة وشاطئ نواذيبو المحروم من وظيفته السياحية إلى رمزين لعجزنا عن تجاوز عراقيلنا الذاتية.

 

وهكذا يبني عبدي ولد حرمة رؤيته للدولة على ثلاث ركائز أساسية: الهوية، اللامركزية، والمشاركة المواطنية.

وقد دافع عنها مع الالتزام بما يسميه واجب التحفظ – ذلك المبدأ الذي كثيرًا ما يُستعمل لتبرير جمود الإصلاحات.

 

وفي نظام يخلط فيه العديد من الوزراء بين إدارة الشأن العام وتسيير بيوتهم الخاصة، يجد الموظفون أنفسهم مروَّضين أو خاضعين لهيمنة تقتل روح المبادرة.

ضعف وضعهم المادي يضعهم في حالة هشاشة حقيقية.

ويروي الكاتب حادثة طريفة تلخص ذلك: أحد أطر شركة SNIM طُلب منه الانضمام إلى مشروع الحالة المدنية، فاشترط تعويضًا ماليًا سخيًا لا يحلم به موظف الدولة.

ويعلّق الكاتب بأن هذا الموقف مبرّر تمامًا، لأن التحفيز المالي شرط أساسي للإنتاج والنجاح إلى جانب الكفاءة والالتزام.

 

 

 

خلاصات متسرعة قليلًا

 

قوة الكتاب تكمن في كونه شهادة نادرة من رجل دولة رأى الماكينة الإدارية من الداخل، وشارك في إصلاحات كبرى في مراحل مختلفة.

إنه وثيقة مرجعية لفهم التاريخ المؤسسي الحديث لموريتانيا،

وذاكرة توثيقية يندر أن يتكلف أحد كتابتها.

 

أما محدوديته، فتكمن في التحليل السببي:

إذ إن حرص المؤلف على الإيجاز والحياد يدفعه أحيانًا إلى تجاهل الجذور العميقة للشلل المؤسسي – الاقتصادية والقبلية والجيوسياسية – التي تستحق نقاشًا أوسع.

وفي بعض المواضع، يخلص إلى استنتاجات سريعة، كحين يجمع بين الشباب والنساء والحراطين ضمن فئة اجتماعية واحدة من «المستضعفين»، وهو تصنيف إشكالي.

كما وردت بعض الأخطاء الطباعية التي يمكن تصحيحها في طبعة لاحقة.

 

من المفيد، في رأيي، أن يُعرض هذا العمل –الذي يشبه في قيمته تقريرًا وطنيًا من مئتي صفحة– على لجنة قراءة متخصصة، لأنه يستحق أن يُعرف بـ«تقرير عبدي حرمة».

 

 

 

كتاب إنذارٍ وأمل

 

على الرغم من تلك الملاحظات الشكلية، يبقى هذا الكتاب صرخة تنبيه من أجل مستقبل الدولة الموريتانية،

وهو يُقرأ كدعوة إلى النظر الصادق والناقد في أوضاعها: وعودها، إنجازاتها، واختلالاتها البنيوية.

ففي أفق عام 2035 ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يدعو عبدي ولد حرمة إلى حُكم راشد يقوم على تشخيص واقعي للمعيقات المؤسساتية، والفوارق الاجتماعية، والتوترات الهوياتية، مع تقديم اقتراحات عملية للطبقة السياسية وصناع القرار.

 

سواء اتفق القارئ مع خلاصاته أم لا، يخرج من القراءة مقتنعًا بأن المؤلف قدّم شهادة صادقة ونافعة وضرورية لكل من يهتم بتاريخ الدولة الموريتانية ومستقبلها.

 

وأختم بنبرة تفاؤل:

رغم التعطيلات التي رصدها الكاتب، فإن التقدم الحاصل في الأمن، والحالة المدنية، وتنظيم الانتخابات، والكهرباء، والطاقة، والزراعة يشير إلى أن تلك العراقيل ليست أبدية.

 

من هذا المنظور، يمكن القول إن كتاب عبدي ولد حرمة

«من الأمل إلى الخيبة»

هو في الحقيقة يوميات دولة معطَّلة… مؤقتًا.

 

عبد القادر ولد محمد

 

ترجمة: أقلام

أحد, 12/10/2025 - 09:26