اختلاسات بالمليارات وفقر وجوع شعب

الفساد في موريتانيا لم يعد مجرّد سلوكٍ معزول داخل المؤسسات الإدارية فقط، بل أصبح عقليةً ونمطَ حياةٍ، وظاهرةً مجتمعيةً يشجّعها ويدافع عنها المثقفُ بقلمه، والجاهلُ بحميّته.

أما النخب في الفساد، ففسطاطان: فَرِحٌ بغنيمته منه، أو صابرٌ مثابرٌ حتى ينال نصيبه يومًا ما.

 

لقد حوّل النظام الفسادَ في موريتانيا من ظاهرةٍ إلى عادةٍ، ومن جريمةٍ إلى مجرّد ملفٍ يُستعمل عند الحاجة، كما تُستعمل ملفات المخدرات، وحبوب الهلوسة، والأدوية المزوّرة، وتزييف العملات، وغيرها من الملفات التي تُفتح “لحاجةٍ في نفس يعقوب”.

 

أين ملفّ حبوب الهلوسة والأدوية المزوّرة التي عُرضت مخازنها عبر الوسائل الرسمية، ونُشرت أسماء المتورطين فيها؟

وأين ملفات المخدرات ومن تورّطوا فيها؟

إنها مجرّد ملفاتٍ تُستعمل لحاجةٍ في نفس يعقوب، وسرعان ما تُطوى في الأرشيف بعد أن تأخذ مواقع الأخبار المأجورة شيكاتها، وتنال منصات التواصل نصيبها من الفتات.

 

لن يكون ملفّ محكمة الحسابات أخطر ولا أوضح من ملفّات حبوب الهلوسة أو الأدوية المزوّرة أو المخدرات، وهو الذي أُسقِطت منه أكبر بؤر الفساد قبل أن يرى النور، في دائرةٍ مظلمةٍ تُنسَج فيها مصائر هذا البلد وشعبه خلف الأبواب المغلقة.

 

ثمة حقيقةٌ قديمةٌ تتجدد في كل فترة: العلاقة بين السلطة والثروة ليست تحالفًا، بل هي حالةُ تملُّك.

فالثروة، حين تتضخم وتتجاوز حدود المنطق، لا تكتفي بالوجود إلى جانب السلطة، بل تسعى لابتلاعها، لتحوّل الدولة من كيانٍ يخدم الجميع إلى أداةٍ في يد قلّةٍ نافذة.

 

هذا هو الجرح الغائر الذي كشفه تقرير محكمة الحسابات، وفضحته ملفات المخدرات والأدوية المزوّرة وتزييف العملات من قبله.

وما خفي أعظم.

 

لن يكون هناك مجرمون يُحاسَبون، حتى لو تجاوزت السرقات 450 مليار أوقية، ولن تكون هناك عقوبات أو متابعات إلا حين يكون المتهم من المغضوب عليهم.

كلّ ما في الأمر أن هناك حدثًا لا يحب النظام الخوض فيه، وحين تنتهي تلك الزوبعة، سنجد الجميع أمام نعش ملفّ محكمة الحسابات في صمتٍ مخيف.

 

وسيظلّ الشعب الموريتاني الضحيةَ الواقعة بين الاختلاس، وسرديات محكمة الحسابات، وفضائح المخدرات والأدوية المزوّرة، والبحث عن العدالة والمستقبل، وبين تحوّلات أقطاب الفساد بين المناصب، واقفًا على التلّة نفسها، يشهد كيف يضيع وطنه بين سجلات محكمة الحسابات وعصابات تهريب المخدرات ومجاملة النظام.

 

لقد بدأت سردية الضياع حين تحوّلت المناصب إلى مكافآت، والميزانيات إلى تركات، والمؤسسات إلى عائلات، ورؤساء العصابات إلى شيوخٍ ودعاةٍ، وصار النهب والفساد صفةَ الأبطال ودَيدنَ الرجال.

 

“لكنني سأظلّ أؤمن أن الإنسان لا يموت دفعةً واحدة، وإنما يموت بطريقة الأجزاء؛ كلّما رحل أملٌ مات جزء، وكلّما قُتل حلمٌ مات جزء، فيأتي الموت الأكبر ليجد كل الأجزاء ميتةً، فيحملها ويرحل.”

 

بقلم: شيخنا سيد محمد

 

 

 

سبت, 11/10/2025 - 16:33