محكمة الحسابات تدق ناقوس الخطر في وزارة الصحة

كشف التقرير السنوي لمحكمة الحسابات لعام 2022–2023 عن أزمة حوكمة مالية وإدارية عميقة داخل وزارة الصحة، شملت جميع مفاصل التسيير تقريبًا: من إعداد الميزانية وتنفيذها، إلى الصفقات العمومية، وبرامج الصحة الإنجابية، واتفاقيات الأدوية، والمعدات الطبية ومحطات الأوكسجين.

 

وخلص التقرير إلى أن الوزارة تعاني من سوء تسيير ممنهج وضعفٍ في الرقابة الداخلية، ترتب عليه هدر للمال العام وتأخر في تنفيذ مشاريع حيوية تمسّ حياة المواطنين.

 

 

 

ميزانيات ضخمة وتنفيذ غير منضبط

 

 

بلغت ميزانية الوزارة لعام 2021 نحو 4.661 مليار أوقية جديدة، نُفذ منها فعليًا 4.382 مليار أوقية، بعجز قدره 278 مليون أوقية.

وأشارت المحكمة إلى أن المبالغ الخاضعة للرقابة بلغت 1.99 مليار أوقية سنة 2021 و688 مليون أوقية سنة 2022، مع تسجيل تحويلات مالية استُخدمت في غير أغراضها القانونية.

 

 

تجاوزات مالية خارج الأطر القانونية

 

 

رصد التقرير صرف أموال من بنود لا تتطابق مع أهدافها الأصلية، من أبرزها:

 

- 2.6 مليون أوقية لتعويض في روصو من بند حوادث الطرق.

- 1.8 مليون أوقية لمعدات معلوماتية سُجلت كبند استثمار طبي.

- 40 مليون أوقية لشركة أدوية لا تدخل ضمن مجال اختصاصها.

 

كما سُجلت 468 عملية تسديد فوري بقيمة 214.7 مليون أوقية خارج الحالات المسموح بها قانونًا، ما يعكس غيابًا شبه تام للانضباط المحاسبي.

 

 

صفقات مباشرة خارج القانون

 

 

أبرمت وزارة الصحة عدة صفقات بطريقة التفاهم المباشر دون احترام القانون المنظم للصفقات العمومية (القانون رقم 2010-044)، من بينها:

 

- 165.5 مليون أوقية مع شركة MS MEDIC،

- 2.2 مليون أوقية مع EL VETEH،

- عقدان مع T2S بقيمة إجمالية تناهز 2.8 مليون دولار أمريكي.

 

كما لاحظ التقرير تأخرًا في تنفيذ بعض الطلبيات بنسبة تجاوزت 1300% دون تطبيق غرامات تأخير بلغت 2.94 مليون أوقية جديدة.

 

 

برنامج الصحة الإنجابية: ضعف تخطيط وغياب تتبع

 

 

خصص للبرنامج خلال 2021–2022 مبلغ 491.9 مليون أوقية جديدة، لم يُنفذ منه سوى 377.4 مليون أوقية (77%).

وسجلت المحكمة ملاحظات تتعلق بـ:

 

- ضعف في التخطيط المالي،

- صرف مبالغ في أنشطة غير مدرجة في الخطة الأصلية،

- غياب قاعدة بيانات دقيقة للمستفيدين، مما سمح بازدواجية الملفات وصعوبة تقييم الأثر.

 

 

اتفاقية «ROCHE»: أدوية حيوية بلا تتبع

 

الاتفاقية المبرمة مع المختبر السويسري F. Hoffmann–La Roche Ltd لتوريد أدوية السرطان والفشل الكلوي بلغت قيمتها 140.6 مليون أوقية جديدة ضمن برنامج ACCESS.

غير أن المحكمة لاحظت:

 

- غياب محاضر استلام رسمية للأدوية،

- تخزينًا لا يستجيب للمعايير الصحية، مع غياب التبريد في بعض المراكز،

- تأخرًا في تسديد الفواتير تجاوز ستة أشهر بمبالغ وصلت إلى 71.5 مليون أوقية،

- نقصًا في التقارير الفنية والمحاسبية اللازمة لتتبع الإمدادات.

 

ورأت المحكمة أن هذه الثغرات تهدد انتظام تموين المرضى بالأدوية الحيوية، وقد تؤثر على استمرارية الدعم الدولي الموجه للبرنامج.

 

 

محطات الأوكسجين والمعدات الطبية: أعطال مزمنة

 

 

بلغت كلفة كل محطة أوكسجين 38.5 مليون أوقية جديدة، لكن معظمها يعاني من أعطال متكررة بسبب ضعف الصيانة.

كما لاحظت المحكمة اقتناء مولدات كهربائية جديدة لمستشفى أطار بقيمة 6.2 مليون أوقية رغم توفر مولدات عاملة، إضافة إلى صفقة اقتناء معدات تصفية كلى بقيمة 233 مليون أوقية مع MS MEDIC SA دون منافسة قانونية، وتبين أن بعض الأجهزة كانت معطلة منذ تركيبها.

 

برنامج السلامة الطرقية: غياب الرؤية

 

رصد التقرير أن برنامج السلامة الطرقية، الذي خُصص له مبلغ 63.7 مليون أوقية جديدة سنة 2021، يعاني من غياب خطة تنفيذ واضحة.

فقد تبين أن الأجهزة الممولة غير مستخدمة أو غير صالحة، وأن وحدات الإسعاف تفتقر لمعدات المراقبة الحيوية (Scope وMonitor)، كما اختفى جزء من الأجهزة دون مبررات أو وثائق رسمية.

 

 

توصيات محكمة الحسابات

 

 

دعت المحكمة وزارة الصحة إلى اتخاذ إجراءات تصحيحية عاجلة، أبرزها:

 

- الالتزام الصارم بمدونة الصفقات العمومية،

- تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة الداخلية،

- فرض غرامات التأخير واسترجاع الأموال المصروفة بغير وجه حق،

- تحديث قاعدة بيانات المستفيدين من البرامج الصحية،

- ضمان صيانة المعدات الطبية وتخزين الأدوية في ظروف آمنة.

 

 

خلاصة

 

 

تؤكد محكمة الحسابات أن وزارة الصحة تمرّ بـ أزمة حوكمة مالية وإدارية خطيرة تهدد فعالية المنظومة الصحية.

وتستدعي هذه الوضعية، وفق التقرير، إصلاحًا جذريًا يعيد الانضباط والشفافية، ويضمن حسن استخدام المال العام وتوفير خدمات صحية تليق بالمواطن الموريتاني.

 

خميس, 09/10/2025 - 15:49