
في الأسابيع الأخيرة، ارتفعت أصوات على وسائل التواصل الاجتماعي، تبناها بعض المثقفين والمحامين والصحفيين البارزين، إضافة إلى كبار الموظفين وحتى بعض السفراء العاملين، للحديث عن فرضية الولاية الرئاسية الثالثة.
ومن دون ادعاء امتلاك الحقيقة، أودّ هنا أن أعبّر عن رأيي الشخصي، مدعومًا بحجج قانونية ودروسٍ مستخلصة من التاريخ. فقصدي ليس إثارة الجدل، بل المساهمة في نقاش وطني يخصّ مستقبل جمهوريتنا مباشرة.
1. الإطار القانوني: الدستور عقدٌ سامٍ
يُعدّ الدستور المرجعية العليا التي تنظّم السلطة وتحدّد حدودها. فهو ليس لائحةً يمكن تكييفها حسب الظروف، بل ميثاق تأسيسي يمنح الشرعية لجميع المؤسسات.
وتُعتبر محدودية المأموريات الرئاسية إحدى الضمانات الجوهرية للديمقراطية، إذ تحمي الجمهورية من أي ميلٍ نحو الحكم الفردي. أما التشكيك فيها بدوافع ظرفية، فسيؤدي إلى تسخير القانون الأعلى لخدمة مصالح آنية على حساب المصلحة العامة واستمرارية الدولة.
2. الاستقرار لا يعني طول البقاء في الحكم
الاستقرار السياسي لا ينتج عن مدة حكم شخصٍ بعينه، بل عن صلابة المؤسسات واحترام القواعد والفصل بين السلطات.
ويُظهر التاريخ أن الدول التي ضحّت بقاعدتها الدستورية لصالح الأفراد غرقت في شخصنة السلطة بدل ترسيخها.
أما موريتانيا، فقد عانت في الماضي من انقطاعات مؤسسية وأزمات شرعية. ومع أن التداول السلمي على السلطة حديث العهد، فإنه يمثل أحد أهم مكاسبنا الديمقراطية التي يجب الحفاظ عليها بكل حرص.
3. السوابق المقارنة: دروس وتحذيرات
في القارة الإفريقية، أدت محاولات إلغاء تحديد المأموريات في الغالب إلى أزمات حادة: عنف انتخابي، حروب أهلية، وتراجع في المكانة الدولية.
وعلى العكس، فإن الدول التي احترمت قاعدة التداول عززت ديمقراطيتها حتى وإن مرت بانتقالات صعبة.
وتُظهر تجارب فرنسا — التي قلصت مدة المأمورية وعددها — والولايات المتحدة — من خلال التعديل الثاني والعشرين عام 1951 — أن تحديد المأمورية الرئاسية يحمي الجمهورية من الإفراط في الرئاسية ويضمن توازن السلطات.
4. خطر سابقةٍ مدمّرة
فتح الباب أمام مأمورية ثالثة يعني خلق سابقة خطيرة: فاليوم الثالثة، وغدًا الرابعة أو الخامسة. عندها يُفرّغ الدستور من مضمونه ويصبح نصًا مرنًا يُطوَّع بحسب الرغبات.
وهكذا تتحول الجمهورية إلى نظام مفصّل على مقاس الحاكم، بدل أن يكون الحاكم خاضعًا لسلطة القانون.
5. الخلاصة: صون الجمهورية
إن النقاش حول المأمورية الثالثة عديم المبرر:
- لأنه ينتهك روح الدستور ونصّه،
- ويُقوّض المصداقية الديمقراطية لموريتانيا،
- ويصرف البلاد عن أولوياتها الحقيقية: التنمية، والعدالة الاجتماعية، وتعزيز المؤسسات، والتعليم، وتوظيف الشباب.
حماية الدستور ليست خيارًا، بل شرطًا لبقاء الدولة. فالتداول على السلطة ليس ضعفًا، بل الضمان الأكيد ضد احتكار الحكم، وأصلٌ لدولةٍ قوية تحظى بالاحترام.
وفي مشاركتي لهذا الرأي، لا أبتغي سوى التذكير بأن مستقبل الأمة لا يمكن اختزاله في مصير رجلٍ واحد.
إن ما يبني دولةً حديثةً وصلبة هو احترام المؤسسات، وحُسنُ الحوكمة، وعدالة القضاء، وتوزيعٌ منصف للثروة.
وعليه، فالسؤال الحقيقي ليس: «هل ينبغي فتح نقاش حول المأمورية الثالثة؟»
بل هو: «ألا يجدر بنا أن نُكرّس جهدنا الجماعي لقضايا التنمية والعدالة والحكم الرشيد، من أجل بناء موريتانيا قوية،عادلة، ومحترمة؟»
أحمد محمود ولد محمد الملقب جمال
Le Calame
ترجمة: أقلام



.jpeg)

.jpeg)