
في ساعةٍ متأخّرة من يوم الاثنين، السابع من تشرين/أكتوبر أُعلنَ عن رحيل السياسي الموريتاني محمد المصطفى ولد بدر الدين. كان ولد بدر الدين يتعالجَ منذ فترةٍ في الجزائر العاصمة حيث وافاه الأجل عن 80 ربيعا. ربما أمكن القول أنّ رحيله شكّل مفاجأةً رجّت الوسط السياسي في البلد، لأنه قد كان حتّى أسابيع قليلة قبل وفاته نشيطاً في ممارسته السياسية، دؤوباً في إعلانِ موافقه، حاسماً في إقرارها المبدئي. وهو وإن كانَ قد أصيبَ، في فتراته الأخيرة، بوهنٍ في الجسم، واعتلالٍ في الصّحة، إلاّ أنّ ذلك لم يكن ليغيِّرَ من تصوّره فوق العمريّ، وفوق الظرفي، لماهية السياسيّ التقدمي الذي كانه بامتيازٍ تقريباً.
فالسياسيّ التقدمي، وكما تحدّد في تجربة ولد بدر الدين قبل تصوره، لا يُشكّل العمر فارقًا معه. إنه يبدأ مساره وفق تمرحل الحياة: فتًى فتياً، ويمر بانزلاقاتِ الشبابِ ومطبّات الكهولةِ، ثم ينتهي شيخاً وقوراً. هل هذا ما كانه ولد بدر الدين حقاً؟ تقولُ سيرته أنه بدأِ بخوض السياسةِ لمّا كان في بداياتِ مراهقته. ثمّ هو كانَ مناضلاً شاباً لا تلين همته ولا يخبت حماسه. ولمّا صار فى الكهولة سارَ مع الزمن دونَ أن ينسى اشتراطاتَ قناعاته وإملاءاتِ فكره. وعند الشيخوخة، التي ختمَ بها على العادة، فقد تمسّك على وقارٍ بنهجه وكان التوهّج يطبعه. هكذا العمرُ، بالنسبة لشخصٍ مثله، يغدو مسّخراً للقيمة، الفكرة، النضال، القضية، الأبد. هكذا بالنسبة لكل تقدميّ تراجيدي ينذر عمره لـ«مراوغة» الحلم - القضية.
والسياسيّ التقدميّ أيضاً، كما تحدّد عند ولد بدر الدين وبه، لا يخضع للظّروف. فلإن كانَ السياسيّ في تعريفٍ بديهيّ هو من يَخضع للظروف، ولإملاءاتها، وتحديداتها، ويُخضِعها إن بدا له ذلك ممكناً بشروطٍ أو بدونها، فإنه بالنسبةِ لولد بدر الدين نادراً ما يَخضعُ لها. السياسيّ عنده كان دائماً يعرّف بمن هو فوق الواقع، أي منْ لا يلين، من لا يتراجع، بمعنى المقاوم الصنديد. هذا ما أدّى به إلى أن يكون سجيناً، على مدارِ فتراتٍ وفي سجونٍ عدّة، درجةَ أنه عُرّف بـ«السجين» إعلامياً وحتّى سياسياً.
لم يحدث كل هذا صدفة. لقد صارَ ولد بدر الدين سياسياً ثورياً من بوابة التعليم. لقد كان مُعلّماً. وعن طريقِ تقديم خدمة التعليم العمومي ولجَ باب الشأن العام بجديّة. ففي سياقِ محاولةِ النشأة الوطنية، في سنوات الستينيات، كان لتقديم خدمة التعليم دلالةً قوية. كان المعلّم، يومها، زيادةً على مهمته الرسولية، يصّح أن تطلق عليه الاستعارة الإفلاطونية الكلاسيكية عن سقراط، بمقارنته بـ«القابلة». لقد كان المعلم حينئذٍ قابلةً بالنظر لدوره المحوري فى توليد معنى الوطن في عقولِ الناشئة.
هكذا وبوصفه معلّماً طاف داخل البلادِ استطاعَ ولد بدر الدين أن يكتسبَ تصوّره للعمومي مجسّداً في هيئة وطنٍ جامع على عتبة التأسيس. وبالطريقةِ ذاتها التي يحملُ بها المعلم رسالته ويلتزمُ بواجبه، بذات الطريقة حمل الرجل قضية الاستقلال، ولواحقه من تنميةٍ وعدالةٍ اجتماعية. بذات الطريقة حمل القضية النقابية عموماً. وفيما بعد سيتبيّن، أنه حتى في ممارسته للسياسة، كانَ معلماً لأجيالٍ من الساسة واكبته وتلتْهُ. من ثمّة فمساره في السياسة لايمكنُ عرضه دون إبراز مهنة «المعلم» التي شكّلته. خصوصاً أن مهنة المعلم، في سياق النشأة، كانت أكثر مهنة سياسية، فصاحبها يحوز غالباً الوعي بواقعه، ولذا فإنّ معارضته الرمزية لمنظومة المستعمر أمكَنُ له من غيره، بل إنها منه، كمعلم، أشدّ وقعاً وأبعدُ أثراً. وبدر الدين، فوق كونه كان معلماً، فقد كان أيضاً نقابياً. بدأ بنقابة المعلمين العرب التي قضى فيها جلّ عقد الستينات، وكان، بحكم أنه سبق ودرسَ في مصر، ذا ميول قومية عربية. فحملَ قضية التعريب، من خلال المطالبة بالتعريب في التعليم التربوي، وبذلك كان يضع أول خطوة في مسار تشكيل ذاته الرافضة التي ستلازمه حتى رحيله.
بيدَ أنه أيضاً كان بدايةَ انجراره وراء السياسةِ، والولعِ بها، وخوض غمارها. ففي نهاية الستينات، التي كانت عقداً مليئاً بالتغيّرات، عدِلَ ولد بدر الدين عن تصوره القومي العروبي، واعتمد مكانه تصوراً يسارياً، رأى أنه الأنسب لفهم طبيعة الصراع القائم والأنسب كذلك لتقديم صيغة التعايش المرجوّ في بلدٍ متعدّد الإثنيات والفئات. سيكون هذا التحوّل، على عفويته، مفصلياً في مسيرة الرجل. فعلى مشارف عقد السبعينات كان الرجل قد شارك في تأسيس مشروع الحركة الوطنية الديمقراطية ذات الميول اليسارية. وهي الحركة التي ستكون بدايةً فعليّة للطرح التقدمي في صيغته النضالية المزدوجة: مجابهة الاستعمار وحلفاءه، من جهة، ومجابهة القوى الاجتماعية التقليدية ومنظومتها، من جهةٍ ثانية.
ستكون السنوات التالية، بعد ذلك، مليئةً بالنضال المحدّد وفق القاموس الماركسي اليساري. وستكون هناك مطالباتٍ كثيرة بحقوق العمال، وطرحِ قضيتهم، وتقديمِ مقترحاتٍ بشأنها. كما ستكون المواجهة على الدوّام محتدمةً، بين الصف السياسي الذي ينخرط فيه الرّاحل، وبين صفّ السلطة وحلفاءها. ومع مرور الأيام والسنين، وتبدّل عناوين العمل السياسي، سيميل ولد بدرالدين، مع رفاقه، إلى العمل الحزبي بما يعدُ به من إمكانيات مأسسة وقوننة وعمل قاعديّ أكثرَ فعالية. كان الانتقال سهلاً، فلم يتبيّن أن طبيعة العمل الحركي السرية، على مدار عقد السبعينات والثمانيات، وما رافقه من تحدٍّ وقساوة، قد صعّبت عليه مزاولة السياسة وفقَ الشروط المؤسسية والقانونية المحدّدة.
فطيلة كل تلك السنوات سيظلّ ولد بدر الدين وفيّاً لأفكاره، قريباً من قناعاته. وهذا ما جسده بانخراطه في صفوف مناضلي حزب اتحاد قوى التقدم، الذي كان شخصيةً قيادية وازنة فيه، ودخل منه البرلمان الموريتاني، فكان أحد النوّاب القلة الذين جسدوا الدور البرلماني كنقيضٍ للديماغوجية، والشعاراتية، والثرثرة الفارغة. وعلى الرغم من حسّ التقبّل الرحب للاختلاف عنده، كان مع ذلك شديدَ التبيين لموقفه المغاير بشأنِ كل القضايا الوطنية المطروحة للمناقشة. هكذا عبر مساره الطويل في السياسة رسّخ ولد بدر الدين نفسه في المجال كـ«عميدٍ» للنضال، فالتجربة الثرية التي يحظى بها أبرزت مكانته، ومنحته مقاماً بارزاً في المشهد السياسي الموريتاني منذ الاستقلال وحتى اليوم. ولذا ليس غريباً أنه نُعتَ بعد وفاته بـ«المعلم» من لدن بعض من عرفوه عبر مساره وتأثّروا به وكان رحيله شبيهاً بوقع «اليُتم» عليهم.
بهذا فرحيل ولد بدر الدين، فوق أنه يعني توقف تجربة سياسية ثرية، فإنه أيضاً يشير إلى بدايةِ غيّاب جيل من الساسة وطّد ممارسته السياسية في ظلال الـأفكار والحركات الإيديولوجية والفكرية، وكان مساهماً في عملية النشأة الوطنية عبر إسداء خدمة عمومية. على أن ولد بدر الدين وباعتباره يمثل نموذجاً ناصعاً على ذلك الجيل، كان قد كان نجا من طريقته الجامدة في العمل السياسي، وذلك بما أبداه على الدوّام من قدرةٍ على التواصل مع الفئات الجديدة على العمل السياسي، كالشباب. إذ قد عُرِف عنه تواصله مع الشبآب والمشاركة معهم في ممارسة العمل السياسي. لم تكسبه التجربة المديدة إلاّ رغبة في التواصل مع الجميع، وتقاسم الأفكار والآراء معهم. ولعلّ هذا بالتحديد هو ما جعله متمتعاً بحيوية نادرة في المشهد السياسي المحلي، ولذا سيجعل رحيله مؤخراً من الصّعب ملء الفراغ الذي خلّف وراءه.
عالي ولد الدمين
2020



.jpeg)

.jpeg)