موريتانيا في قلب تحديات الهجرة: بين ضغوط الاستقبال ونقص الدعم الدولي

تجد موريتانيا نفسها اليوم في صميم النقاشات المرتبطة بالهجرة، إذ يجعلها موقعها الجغرافي، عند نقطة التقاء الساحل والمغرب العربي، في آنٍ واحد منطقة عبور وبلد استقبال. وعلى عكس الصورة التي يروّج لها في بعض الخطابات الأوروبية، لا تختزل موريتانيا في كونها مجرد “ممر عبور”، بل تتحمل دورًا إنسانيًا رئيسيًا.

 

ويفسر التاريخ جانبًا من هذه الوضعية؛ فقد شكّلت موريتانيا عبر قرون مفترق طرق للقوافل التجارية، وعرفت دومًا تعايش مجموعات سكانية متعددة – الفلان، والسوننكي، والسونغاي، والولوف، إضافة إلى تجار قدموا من المغرب العربي. هذه التركيبة المتنوعة أسست لثقافة ضيافة متجذرة عبر الزمن، ما يزال صداها حاضرًا في السياسات العمومية الحالية.

 

أرقام لافتة: أحد أعلى معدلات الاستقبال في إفريقيا

 

بالنسبة لعدد سكانها البالغ نحو خمسة ملايين نسمة، تستضيف موريتانيا ما يقارب مليون لاجئ. ولو طُبّق هذا المعدل على فرنسا، لكان معناه استقبال 14 مليون شخص! ووفق بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء في موريتانيا منتصف عام 2025 حوالي 309 آلاف، من بينهم 177 ألفًا مسجلون رسميًا. ويمثل ذلك زيادة بنسبة 75% خلال عام واحد، معظمهم من مالي، إلى جانب قادمين من سوريا وساحل العاج وإفريقيا الوسطى وغينيا. وبالمقارنة مع حجم سكانها، يُصنَّف هذا الجهد ضمن الأعلى في القارة الإفريقية.

 

ويجسد مخيم امبره في الحوض الشرقي هذه الضغوط، إذ أنشئ ليستوعب 70 ألف شخص، لكنه يضم اليوم أكثر من 110 آلاف، فضلًا عن نحو 150 ألف لاجئ إضافي استقروا في القرى المجاورة، حيث يتقاسمون الموارد والخدمات مع مجتمعات محلية تعاني أصلًا هشاشة في أوضاعها.

 

إطار قانوني قوي بموارد محدودة

 

وقعت موريتانيا على أهم الاتفاقيات الدولية المتعلقة باللاجئين، مثل اتفاقية جنيف لعام 1951، وبروتوكول 1967، واتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لعام 1969، كما أدرجت حق اللجوء في قوانينها الوطنية. وقد أصبح بإمكان اللاجئين الالتحاق بالمدارس العمومية، والحصول على خدمات الصحة والتسجيل في السجلات الاجتماعية.

 

لكن هذه السياسة الشاملة تعتمد بدرجة كبيرة على تمويل خارجي غير كافٍ. ففي عام 2024، أعلن الاتحاد الأوروبي عن شراكة بقيمة 210 ملايين يورو، غير أن المبلغ يظل أقل بكثير من الحاجيات الفعلية. كما يواجه برنامج الغذاء العالمي صعوبات متكررة في ضمان حصص غذائية مكتملة، فيما تحذر المنظمات غير الحكومية من نقص البنى التحتية والخدمات الأساسية.

 

وتشير بعض التقارير إلى حالات طرد جماعي أو احتجاز تعسفي. ورغم أهمية هذه الملاحظات، فإنها لا تلغي الجهد البنيوي الذي تبذله موريتانيا، حيث تؤكد السلطات أن أماكن الاحتجاز مفتوحة أمام المنظمات الدولية، وأن عناصر الأمن يتلقون تدريبات في مجال حقوق الإنسان، وأن آليات لتلقي الشكاوى قائمة.

 

فاعل أساسي على الصعيد البحري

 

غالبًا ما يتم إغفال البعد البحري في هذا الملف. ففي عام 2024، انطلق أكثر من 25 ألف مهاجر وصلوا إلى جزر الكناري من السواحل الموريتانية. وتعمل قوات خفر السواحل، بالتعاون في أحيان كثيرة مع إسبانيا، على التصدي لشبكات التهريب وإنقاذ الأرواح في البحر، من خلال اعتراض القوارب المنكوبة والتكفل بالناجين، وهو جانب إنساني محوري في هذه المهمة.

اثنين, 29/09/2025 - 23:35