من السونينكي إلى البيظان: كيف صاغ الإيكَّاون لغة الوحدة في "سونكي"

في مجرّة التقاليد الموريتانية، ثمة لحظات تتحوّل فيها الذاكرة إلى موسيقى، وتتشكل فيها الموسيقى كمعمار اجتماعي. ومن بين هذه اللحظات، يظلّ الأكثر استعصاءً على الفهم تبنّي إيكَّاون البيظان لتراث سونينكي، حدثٌ خفيّ لكنه أبلغ من مئات الرسائل في التعبير عن تمازج المكوّنات الموريتانية. وفي هذا الفضاء البيني يولد “سونكي”، ذلك اللحن-الجسر، الذي هو في آنٍ معًا تكريمٌ وتحويل.

 

عند السونينكي، لا يقتصر دور الإيكَّاون على كونه موسيقيًا؛ فهو مادحٌ، وحارسٌ للأنساب، وحاكمٌ لسمعة الناس، ورسول العار أو المصالحة. وارثٌ لوظيفة متوارثة، يعزف على “الڭوني” والعود-القيثارة، آلات مشبعة بالرمزية. ومن خلال “الفَصّا”، يرفع عائلات كاملة إلى مصافّ الملاحم الحيّة، وينحت في الكلام نُبلًا يتجدّد باستمرار. غير أن فنّه، على خلاف الإيكَّاون البيظان، أقلّ ميلاً إلى الانحناء اللحني وأكثر انسيابًا كسيلٍ من الحكايات؛ يُعلي من شأن كثافة الخطاب وثِقَل السرد وخشونة الأنساب الملقاة جهارةً. إنه ما يمكن وصفه بـ”سوننكةنة” فنّ الإيكَّاون، فنّ أقل التصاقًا بالقصور وأكثر رسوخًا في “قَرْويّة” القرار، حيث يُصنع التوافق الاجتماعي على وقع الأصوات لا على صولجان الملوك.

 

حدث أن جُوهرة من هذا التراث انتقلت إلى البيظان، سُلِّمت من فمٍ إلى وتر، ومن ذاكرة إلى أصابع: “سونكي”. الإيكَّاون البيظان، في بادرة تكريم، أدرجوها ضمن عزفهم “الأزوان”، فأنشدوها على التيدنيت. واختاروا لها مأوى في “تنَجّوگا”، في هيئة “كور” أبيض، فضاءٍ للسمو. لكن قبل أن يُولد “سونكي”، كانوا يرخون أوتارهم، منفّذين ما يُسمّى “سيني كار مايوخراس” – طريقة لفكّ المادة الصوتية كي تعيد تركيب ذاتها.

 

من هنا يمكن للسيل أن ينزلق بلا قطيعة إلى “سيني فاغو”، إذ الاثنان متجانسان، متكاملان. وهذه القدرة على دمج “سيني” في “سيني” هي سرّ “الأزوان”: تحويل القيد التقني إلى مَجاز للوحدة.

 

وعندما يُنهي العازف مسار “سونكي”، يشرع في “سيني لوڭز”، لغزٌ صوتيّ يضاعف التردّد على الأوتار، “إتحازليگ” – ذلك الاحتكاك الدقيق بين الانكشاف والانحجاب. ثم ينفتح على “هيبة”، سواد السواد، الثقل الأخير، الذي يُغلق الدورة ويترك للصمت أن يكون أعمق من الصوت.

 

هكذا يتحوّل المسار الموسيقي إلى طقسٍ من طقوس العبور: من التكريم السونينكي (“سونكي”) إلى التجلّي البيظاني (“الأزوان”)، من بياض “تنَجّوگا” إلى سواد “هيبة”، مرورًا بألغاز “اللوڭز”. إنه خريطة رمزية لوادي النهر: نهر اللغات والأعراق والموسيقات، كما هو أيضًا نهر الآلام المشتركة والأمجاد المعاد ابتكارها.

 

“سونكي” ليس مجرد لحنٍ مُستعاد؛ إنه ندبة مضيئة، شاهدة على عبور ذاكرة إلى أخرى. لقد منح الإيكَّاون السونينكيون هذا اللحن ثِقَل الكلمة، فيما أحاطه الإيكَّاون البيظان بنشوة اللحن المنبعث من التيدنيت. معًا، صنعوا فضاءً تتحوّل فيه الاختلافات إلى تكامل، والذاكرة إلى اندماج، والتاريخ إلى أنشودة تُغنّى بدل أن تُلقَى خطبًا.

 

فلنصغِ إلى نغمات “سونكي” على أوتار التيدنيت البيظانية، وقد احتفظت بطابعها الأصلي دون مساس: تحفة من الرقة اللحنية، معلّقة في بياض “تنَجّوگا”..

محمد ولد الشريف

 

 

جمعة, 26/09/2025 - 11:11