
تشهد الساحة السياسية الموريتانية اليوم حالة من الهدوء اللافت. فالمعارضة، وإن كانت محدودة الوسائل، تؤدي دورها دون ضجيج كبير، محاولة أن تُظهر مسؤولية سياسية أكثر من سعيها إلى المناكفة. أما السلطة القائمة، فتنعم بفرصة نادرة لتنفيذ برنامجها في أجواء يسودها السلم النسبي. غير أن هذا الهدوء لا يأتي من فراغ؛ بل يعكس في جوهره فلسفة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في إدارة الحكم، حيث يفضل الصمت الموزون على ضوضاء الخطابات، ويختار التهدئة على الصراع.
اليوم، يجد الغزواني نفسه أمام تحديات خطيرة. فإلى جانب الضغوط الاجتماعية وتنامي الانحراف الشبابي المدعوم بوسائل التواصل، تلوح أخطار أمنية مباشرة على الحدود مع مالي. إذ يواصل مسلحو “ماسينا” فرض حصار على مدن قريبة من حدود موريتانيا والسنغال، ما يستدعي يقظة مضاعفة من قواتنا المسلحة لتفادي أي اختراق قد يفتح الباب أمام محاولة تثبيت موطئ قدم داخل أراضينا. وبدون تأمين الحدود وصون وحدة التراب الوطني، سيكون من الصعب تطبيق أي إصلاحات جوهرية في قطاعات الصحة، التعليم، الماء، الكهرباء، أو حتى توفير المواد الأساسية للمواطن.
ومع اقتراب استحقاق 2029، يزداد الحديث عن ما بعد الغزواني. هل سيختار الرئيس خليفة دستوريًا كما فعل من سبقوه؟ وهل سيكون هذا الخليفة عسكريًا أم مدنيًا، رجلًا أم امرأة؟ أم أن موريتانيا ستجد نفسها أمام معادلة انتقال سياسي جديدة، تختلف عن سابقتها، بما تحمله من مخاطر وفرص في آن واحد؟
إن أكبر رهان أمام السلطة الحالية هو أن تحافظ على هذا المناخ من السلم الاجتماعي، مع الاستعداد لمفاجآت السياسة والأمن الإقليمي. فالمستقبل لا يتشكل فقط بالقرارات المتخذة اليوم، بل أيضًا بالقدرة على قراءة دروس التاريخ والتصرف بحكمة حين يشتد الاختبار.



.jpeg)

.jpeg)