
إن أي حديث عن الهويات الفرعية في بلادنا لا يخدم إلا أجندات التفكيك والتمزيق، ويشكل خطرا مباشرا على هويتنا الوطنية الجامعة، وعلى مفهوم المواطنة الحقة، بل وعلى بقاء الدولة نفسها قوية متماسكة.
فمن يسعى اليوم إلى إثارة هذه القضايا إنما يعمل على زرع بذور الشقاق، وهو ما أثبت التاريخ أنه المدخل الأخطر لتقسيم الشعوب وضرب استقرارها.
والتجارب من حولنا شاهدة: الاتحاد السوفيتي تمزق تحت يافطة "الهوية الفرعية"، والسودان عرف حربا أهلية طويلة بعد تأطير مكونات المجتمع في قوالب متنافرة، ولبنان والعراق لا يزالان يعانيان من جراح الطائفية والانقسامات.
وقضية هوية لحراطين وعلاقتهم بمجتمعهم البيظان، ليست بالنسبة لي مجرد موضوع للنقاش الأكاديمي أو التنظير السياسي، بل هي مسألة وطنية عشتها وأدرك تماما حساسيتها. فالحقيقة التي لا تقبل الجدل أن لحراطين جزء أصيل من مجتمع البيظان، تشبعوا بلغته وثقافته واعتنقوا دينه ومذهبه وتقاسموا معه نفس الأعراف والعادات. بل أكثر من ذلك كانوا ولا يزالون الحامل الأساسي للثقافة البيظانية ومكوّنا راسخا من نسيجها الاجتماعي.
نعم، التاريخ ترك بصماته بموروث العبودية وما نتج عنه من تفاوت، لكن العلاج لا يكون أبدا بالقطيعة أو باختلاق هوية بديلة بل بترسيخ مكانة لحراطين داخل مجتمعهم الأم باعتبارهم مواطنين كاملي الحقوق، لا يحتاجون إلى وصاية ولا إلى تعريف جديد.
لقد أدركت الدولة، في عهد صاحب الفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني خطورة هذا الملف، فبادرت إلى معالجته بجدية من خلال سياسات اجتماعية واقتصادية وإنصاف ملموس، فتحت أبواب التعليم والتشغيل والتمثيل والتعيين أمام الجميع. وهذه هي الطريق السليمة: طريق العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص، لا طريق الشعارات الجوفاء والخطابات المتشنجة التي لا تزيد المجتمع إلا انقساما.
إنني مقتنع كل الاقتناع أن ما يجمع لحراطين بالبيظان أكبر بكثير مما يفرقهم، وأن مستقبلهم مرهون بوحدتهم لا بانقسامهم. فهما أبناء رحم واحد، ولن يكون لهما وجود قوي إلا بالتمسك معا بالهوية الوطنية الجامعة. والخطأ الأكبر هو حصر لحراطين في صورة "الضحايا الأبديين"، بينما الواجب هو تمكينهم كفاعلين شركاء في بناء الدولة.
لهذا أقول بوضوح: إن الهوية الوطنية هي المظلة الوحيدة التي تحمي الجميع والعدالة الاجتماعية هي الجسر الذي يوحدنا جميعا. أما محاولات التشكيك وبث الفوارق فليست سوى رهانات سياسية ضيقة مصيرها الفشل، لأن هذا الشعب يعرف عمق وحدته ويعي أن قوته ومستقبله في دولة المواطنة التي تساوي بين جميع أبنائها دون استثناء.



.jpeg)

.jpeg)