
هناك أزمات تُدار ببساطة، وأزمات أخرى ترسم صورة راسخة في ذاكرة الرأي العام. أزمة نواكشوط اليوم - التي لا تُرى فيها قطرة ماء - تندرج ضمن هذه الفئة الثانية. حتى لو سُدّ النقص في الأيام المقبلة، فإن الندبة ستبقى. ستبقى في الذاكرة الوطنية، وكذلك في نظرة الرأي العام الدولي القاسية في كثير من الأحيان.
المشكلة ليست تقنية فحسب، بل هي منهجية. في هذه الجمهورية الغنية بالموارد البشرية، والتي غالبًا ما يُساء استخدامها، ننتظر حلول الأزمة قبل أن نتحرك. لكن الحكامة لا تعني إخماد النار بعد اشتعالها؛ بل تعني بناء سدود خفية قبل وقوع الفيضانات.
لخّص محمد السالك ولد هيين، المدير العام السابق لشركة سنيم، وهو رجل ذو خبرة عملية وحس سليم، فلسفة الإدارة الرشيدة بعبارة موجزة: "الإدارة هي الفوز عندما يكون سعر الحديد منخفضًا". بمعنى آخر، يُقاس فن القيادة بالشدائد، لا بالوفرة. يبدو أن الجهاز الإداري الموريتاني قد نسي هذا المبدأ البسيط. عُيّن مدير من القطاع العام على رأس شركة سومير، كما لو أن صناعة التكرير تُدار بحقيبة ظهر موظف حكومي. ووُضع دكتور في الاقتصاد على رأس شركة صيانة الطرق، كما لو أن الرقابة المالية حلت محل علم المواد وفن الإسفلت. عُهد إلى مفتش ضرائب بشركة موريتانيا للطيران، ونُفاجأ برؤية السماء مُغطاة بالعواصف الإدارية...
ومع ذلك، لا يزال المثال قائمًا. مشروع آفطوط الساحلي، هذا المشروع الضخم الذي غيّر مصير البلاد المائي، نُفّذ بكفاءة نادرة من قِبل فريق من المهندسين المخضرمين بقيادة سيدي ولد محمد الأمين ولد بيها. تلقى هذا المهندس المتمرس تدريبه في المدرسة المركزية بباريس، وعُرف بكفاءته ونزاهته، وأشرف أيضًا على بناء خزان بني نعجة لإزالة الطمي، وهو تحفة فنية صُممت لمعالجة عكارة المياه. اليوم، نُقل إلى مرآبٍ مؤسسي، يشغل منصب مستشارٍ للمياه والصرف الصحي في مكتب الوزير. وقد يظن المرء أنه لو بقي في الميدان، لما وصلنا إلى هذه الأزمة.
أما الوزيرة نفسها، الشابة النشيطة، المُدركة لخطورة الوضع، فتؤكد أن وزارتها تعمل بلا كللٍ للقضاء على المشكلة، التي تفاقمت هذا العام بسبب تعكرٍ غير مسبوق. نقلٌ بحريٌّ للمعدات الثقيلة، ومراقبةٌ دقيقةٌ للتركيب، وتشغيل وحدتين من وحدات الإنتاج الست: الإجراءات جاهزة، والنتائج بدأت تظهر. وتتعهد بأن الأزمة ستنتهي قريبًا.
ولكن وراء الأرقام والتلميحات، يبقى السؤال المحوري: لماذا يجب أن يصبح العطش لا يُطاق لاتخاذ إجراء؟ قد يذكر التاريخ أن هذه الأزمة قد حُلّت، لكنه سيتذكر قبل كل شيء أنه ما كان ينبغي أن تندلع أصلًا. التسيير ليس ملاحقة الأحداث؛ بل استباقها. وما دامت الجمهورية تخلط بين رد الفعل والتوقع، فإنها ستحكم على نفسها برؤية أزماتها تتحول إلى مرايا لا ترحم، تعكس نقص الرؤية أكثر من نقص المياه.
محمد ولد الشريف
من صفحته علي الفيسبوك
ترجمة: أقلام



.jpeg)

.jpeg)