صعوبة الخروج من بؤرة التخلف

إن المجتمعات المتخلفة، خصوصًا تلك التي يغلب عليها الطابع البدوي، غالبًا ما تعاني من أنماط سلوكية معيقة للتقدم،  مثل القبلية، و الجهويةو الشرائحية والمحسوبية والزبونية، على حساب الكفاءة والنزاهة. هذه البنية الاجتماعية تجعل من السهل تسلل الفساد، ومن الصعب صعود المصلحين إلى مواقع القرار، لأن المجتمع اعتاد تبرير الأخطاء وتقديس الأشخاص لا المبادئ.        والسؤال الجوهري: كيف يمكن لهذا المجتمع أن يتحول من قبول المفسدين إلى احتضان الصالحين؟
أول خطوة نحو هذا التحول تبدأ من التربية على القيم، لا سيما قيمة الضمير. لا يمكن لمجتمع أن ينهض إن لم يشعر أفراده بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الصالح العام. في الحديث النبوي الشريف: ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.)
وهو مبدأ يكرّس فكرة أن الفرد ليس معزولًا عن مجتمعه، بل هو ركن في بنيان هذا المجتمع، مسؤول عن بقائه وتطوره.
في التراث الإسلامي، رفض عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعيين من لا تتوافر فيه الأمانة والكفاءة.
هذا يدل على مركزية الإصلاح في الحكم، وأن فساد المسؤولين لا ينفصل عن رضا الناس عنهم و سكوتهم على هذا الفساد.
أما في الفكر العالمي، فقد أشار الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي إلى أن النخب الفاسدة تبقى في السلطة حين يفشل المجتمع في إنتاج وعي نقدي، أي حين يعجز الناس عن التمييز بين من يخدمهم ومن يخدعهم. إذًا، لا يكفي تغيير الحكام؛ لا بد من تغيير وعي المحكومين.
إحدى الوسائل الفعالة هي بناء مؤسسات تضمن الشفافية والمساءلة، بدل الاعتماد على الأشخاص. كما يجب تعزيز الإعلام المستقل والتعليم النوعي، لأن العقل المستنير لا يقبل الظلم ولا يخضع للمفسدين.
ولكي يتحول الولاء من القبيلة إلى المصلحة العامة، يجب أن يشعر المواطن أن الدولة عادلة وتكافئ الصالح وتعاقب الفاسد. وهذا لا يتحقق إلا إذا أصبحت القوانين فوق الجميع، واستُبدلت عقلية "هذا ابن عمي" بعقلية "هذا رجل صالح نزيه".
ختامًا، إن التغيير لا يأتي من الأعلى فقط، بل من روح تتجدد في عمق المجتمع. قال مالك بن نبي: ( لا يمكن لمجتمع أن ينهض إن لم يشعر  بالاستفاقة في ضميره الجمعي.)

 

الباحث: يحيى أحمدو

أربعاء, 06/08/2025 - 14:56